ثقافة وأدب

الأربعاء - 25 سبتمبر 2019 - الساعة 03:13 م

عمار باطويل

(كُتّاب في المرآة.. عصارة عُمر مع أهل المعنى والفن)،

هو عنوان كتاب لمؤلفه الأديب نجيب سعيد باوزير، ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب اتضح لي جلياً أن نجيب ذو معرفة ثقافية وأدبية بكُتّاب العرب وأيضا بكُتّاب الغرب وهما ثقافتان ذواتا خلفيتين مختلفتين . فنجد في الكتاب أسماء عربية وغربية ذات مكانة أدبية كبيرة. وقد لفت نظري في هذا الكتاب ترجمة نجيب نصاً من رواية (قصة مدينتين) للأديب الإنجليزي شارلز ديكنز، وهذا النص الذي ترجمه المؤلف قد استحسنته ذائقتي الأدبية منذ زمن ليس ببعيد عندما تصفحت الأسطر الأولى للرواية، وقد ترجم هذه الرواية منير بعلبكي. وفي هذا المقام أضع بين يدي القارئ ترجمة نجيب بازوير لافتتاحية رواية (قصة مدنتين) ومن ثم أضع ترجمة منير بعلبكي وربما يجد القارئ حسب ذائقته ويبرز الفن لدى باوزير من ناحية الترجمة وعمقها وربما يستحسن القارئ ترجمة الأديب منير بعلبكي، وفي كلتا الحالتين فإن ذلك لا يقلل من مكانتهما الأدبية بل يضعنا أمام جهودهما في ترجمة الأدب الغربي للمكتبة العربية بل تضيف الترجمة لكل منهما جهودهما في أداء الرسالة الأدبية التي عجزت عنها بعض المؤسسات الثقافية والأدبية الحكومية. فنبدأ بترجمة نجيب باوزير الخاصة لافتتاحية رواية (قصة مدينتين):

"كانت تلك أفضل الأيام، وكانت تلك أسوأ الأيام، كان ذلك عصر الحكمة، وكان ذلك عصر الحماقة، كانت تلك حقبة اليقين، وكانت تلك حقبة الشك، كان ذلك موسم النور، وكان ذلك موسم الظلام، كان ذلك ربيع الأمل، وكان ذلك شتاء القنوط، كان ينتظرنا كل شيء، ولم يكن ينتظرنا شيء على الإطلاق، كنا جميعنا نسير مباشرة إلى الجنة، وكنا جميعنا نسير مباشرة إلى الجهة الأخرى..."

وهذه ترجمة الأديب الكبير منير بعلبكي:

" كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة، كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود، كان زمن النور، وكان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط، كان أمامنا كل شيء، ولم يكن أمامنا شيء. كنا جميعاً ماضين إلى الجنة مباشرة، وكنا جميعاً ماضين إلى جهنم مباشرة...".

ومن هذه الطريقة في الترجمة التي يسلك بها الكاتب دربه في عالم الفن، والأدب، والذوق الرفيع تعتبر الترجمة جزءاً من العنوان (عصارة عمر مع أهل المعنى والفن) الذي أره متمثلاً أمامي في طريقة سرد الكاتب متنقلاً بين الترجمة وكُتّاب الإنجليز وكُتّاب العرب أو متنقلاً من مدينة حضرمية أو يمنية إلى مدينة عربية أخرى بكل التفاصيل التي تخدم المقال وهي تفاصيل ذات أبعاد فنية من حيث المضمون أو من حيث التسلسل الفني. فهذا التسلسل والانسيابية في المقالات تشعر القارئ أنه أمام كاتب حكاء يمتلك ذاكرة ثاقبة مثل ذاكرة الحكاء الكبير الأديب المصري خيري شلبي أو عمو شلبي كما يحلو للبعض من محبيه أن يناديه بعمو شلبي. فأسلوب مقالات نجيب باوزير ليس بالطريقة التقليدية بل يقودنا أسلوبه إلى الحكم بأننا أمام شخصية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالكتاب منذ نعومة اظافرها. وهذا الإدراك سوف يستنتجه من يعرف مؤلفات نجيب الأدبية ومنها المترجمة. ففي واقع الأمر لم يلفت نجيب باوزير اهتمامي إلا عندما وقعت في يدي ترجمته لكتاب دورين إنجرامز (أيامي في الجزيرة العربية-حضرموت وجنوب الجزيرة العربية 1934-1944م)، وهو الكتاب الأول الأدبي الذي قرأته من ترجمة الأستاذ باوزير، ومن تلك الفترة سعيت وراء هذه القامة الأدبية الكبيرة أتتبع أثره لكي أنال الشيء اليسير من علمه وتواضعه.
فنجيب باوزير لا يقل مكانة عن أقرانه الأدباء العرب في كتابة المقال بفنياته أو في مجال الترجمة عن اللغة الإنجليزية مثل صالح علماني الذي تخصص وأشتهر بترجمة الأدب المكتوب باللغة الإسبانية وغيره من القامات الكبيرة. وما يؤسف أن ظروف وطننا الاقتصادية والسياسية والصراع العميق على السلطة منذ عقود، قد أثرت تأثيراً كبيراً على مسيرة الوطن وبشكل آخر على مسيرة الأدب والأدباء. فوجود اسماء الكُتّاب والأدباء في كتاب نجيب يعتبر وجوداً فنياً وليس وجوداً اعتباطياً أو وجودا بدون ملامح أو شكل. فعندما نقف على الأدباء العرب أو الفنانين الذين تحدث عنها باوزير مثل المحضار، ونزار قباني، والشاعر لطفي جعفر أمان أو سعيد عوض باوزير وغيرهم سنقف أمام صور متعددة لهؤلاء وأن أعمالهم الأدبية لها صدى وهذا الصدى يمضي بالقارئ إلى عدة تفاصيل عن الكلمة وفنها، فأجد في هذه المقالات أن الكاتب باوزير يمنح للقصيدة أكثر من بُعد، بُعد مكاني وآخر فني وأيضاً بُعد إنساني، وفي هذه الأبعاد المتعددة يلتقي نجيب باوزير بطريقته المميزة في تاريخ القصيدة ويتتبع وجودها منذ الولادة إلى أن يصل إلى ملحن تلك القصيدة. وهو أيضا عليم بالخلاف الذي وقع على بعض القصائد والصعوبات التي واجهت بعض الملحنين وعجزهم في تلحين تلك القصيدة، ونكتشف في صفحات الكتاب عبقرية الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب في تلحين قصائد نزار القباني وكامل الشناوي في قصيدته الشهيرة (لا تكذبي)..
وفي الأخير نجد أن صفحات هذا الكتاب الشيق تضعنا أمام كاتب متمكن من أدواته الكتابية باقتدار، ويتضح من صفحات الكتاب أن الأستاذ نجيب باوزير شخص يوثق كل ما يقع بين يديه من كتب أو قصائد أو مقالات، وهذا التوثيق يقوده إلى أسرار الكتب وهذه الذائقة والفن لا يجيدهما إلا من يملك معنى وله كلمة وفن، وهذا ليس بالغريب عن شخصية نجيب باوزير، وهو الشاعر، والكاتب، والمترجم. .