اخبار عدن

الأحد - 06 أكتوبر 2019 - الساعة 08:37 م

بقلم: رزق محمد المزعنن

مناضل وأستاذ فلسطيني..يتذكر حياته في عدن والجنوب(2):

فاجأتني المدرسة، فقد كانت بلا أسوار..فلماذا الأسوار واليمن الديمقراطية بلد أمن وأمان

من طلابي الذين لا انساهم الوزير أحمد بن أحمد الميسري، وقد كان فوضويا مشاغبا


يحضرني كلما تذكرت أيامي الأولى في اليمن الديمقراطية ذلك الطريق الممتد بموازاة الشاطئ متجها نحو أبين مرورا بشاطئ أبين بالعلم والعريش ثم اختراقه لمزارع المانجو والباباي بأشجارها السامقة عالية الى السماء ومزارع الموز والقطن فالظلال الوارفة ورائحة الزهر المنبعث من الاشجار كان يداعب أنفي فأعب منه زادا الى زنجبار ونقطع وادي بني وحسان ثم إلى شقرة حيث مصنع تعليب الأسماك وهي محطة قبل الانطلاق صعوداً عبر اختراق الجبال الجرانيتية السوداء في طريق يتلوى كثعبان اسود هائل.. منتقلا من امعرقوب..فامركبة، وبعدها امسرة صعودا إلى امرقية، ثم امراس وهي اسماء لمواقع استراحة جمال القوافل والتي سماها اليمني الذكي اللماح على اسماء اجزاء الجسم صعودا. فهي العرقوب والركبة...الخ وما ام الا حروف أل التعريف الحميرية والتي بقيت اسمعها على مدار عامين قضيتهما في امودية أي تجمع الاودية..

حينما قاربنا الوصول الى مدخل موديه جابهتنا على يمين الطريق عمارة حديثة مكونة من طابقين وأربع شقق وإلى الشمال كانت تقع المدرسة الثانوية الجديدة والتي لم نداوم فيها إلا في العام الذي يليه. بعد اكتمال المبنى والتأثيث، وهذا البناء مقدم من دولة الكويت الشقيقة.

دخلنا داخل البلدة " المديرية" وظهرت البيوت منها ما هو تقليدي قد بُني بالحجارة الصخرية اشبه بالقلاع ولازال بيت "نسيبنا" أي نسيب الفلسطينيين جميعا، المرحوم محمد سعيد هيثم الميسري أعتقد انه في وسط البلدة ذلك الرجل الشهم الكريم الذي كان لفلسطين كلها شرف مصاهرته فقد تزوج أحد المدرسين الفلسطينيين احدى بناته وكان يحتضن كل عائلة فلسطينية اقامت في مملكة دثينة.

في مودية كان أول عمل اقوم به دون رغبة جارفة للقيام به، فقد سبق أن أوضحت ماذا كنت أود أن أعمل، لكنني بطبعي لا أحب الفشل أو عدم التميز فيما أقوم به.

كانت منازل مودية كلها تقع على يمين الطريق المتجه إلى المكلا، ولم يكن في الجهة المقابلة إلا المزارع في منطقة منبسطة وكل قطعة أرض كأنها مسورة برفع التراب ليحيط بالأرض ليحجز مياه الامطار التي تأتي من الأماكن المرتفعة والتي يتواجد فيها بقايا أكوام من الحجارة مع امكانية القنص خوفا من مهاجمة القبيلة من قبائل أخرى، لم أعد أتذكر الاسم.
البيوت كانت مبنية من القوالب الاسمنتية وسقوفها من خشب مستورد من اندونيسيا لتحمله وقوته وفوق السقف الخشبي يوضع مادة بلاستيكية لدنة وفوقها تراب وفوق الجميع اسمنت ليحفظها من مياه الامطار. وضعت نفسي وزملائي بمصاحبة مسؤول اتحاد المعلمين تحت امرة مديرية التربية والتعليم لاستكمال اجراءات التعيين والمباشرة وخلاف ذلك من أمور كتسلم السامان " السرير والفرش، وادوات الطبخ والثلاجة. الخ من احتياجات" ثم عرجنا على شقتنا وهي الأرضية إلى الشمال حيث هناك ثلاث شقق أخرى. ...
على العموم ارتحت ان عرفت ان هذا هو مكاني كمدرس لمادة الكيمياء في ثانوية الشهيد جواس، لم تتوقف المفاجآت...الكهرباء لا تلصي إلا من الرابعة حتى العاشرة أي بنهاية الفيلم في السينما التي كان يديرها أحد طلاب المدرسة واسمه ابو بكر الفريدي.

والسينما تقع في السوق وتبث في كل يوم فيلم جديد، بما ينشر الثقافة والمعرفة حتى في أبعد الأماكن واقصاها في اليمن الديمقراطية تطبيق السياسة ونهج الحزب الاشتراكي اليمني. ومن المفارقات ايضا ان كلمة لينين حول السينما كانت مكتوبة بخط كبير (إن من بين الفنون، السينما هي الاهم).

كان يومي الأول في المدرسة غير عادي، لقد استعنت بخبرة أصدقائي في التعليم فمدرس الفلسفة ذي الخبرة في المغرب الشقيق، مدرس الفيزياء ذو خبرة في الجزائر واليمن، أنا لا أهاب الجمهور فقد منت دوما اجتماعيا وقمت بأدوار ريادية ثقافية أو الكشافة منذ كنت فتى ،لكن التعليم شيء آخر ومسؤولية مختلفة برغم قدرتي في الخطابة والالقاء. وهناك فرق بين جمهور يريد أن يلتحق بثورة أو تنظيم سياسي وبين طالب، بعضهم همه الأول هو أن يقيس قدرة وشخصية المدرس. عموما اعشق الكيمياء تخصصي ودرستها باللغة العربية في جامعة دمشق التي أعتقد أنها من أفضل الجامعات العربية وخاصة كلية العلوم فيها.

عرفت فيما بعد أن كندا تعادل شهادتها دونما اختبار...فاجأتني المدرسة فقد كانت بلا اسوار...فلماذا الأسوار واليمن الديمقراطية بلد أمن وأمان شبه مطلق ..قبضة الحكومة والحزب على كل مفاصل الحياة الاقتصادية ومحاولات دؤوبة للسيطرة على مفاصلها الاجتماعية من حيث تغيير السلوك الموروث للناس أو تكويره عبر التعليم المجاني والحديث برغم الملاحظات التي شابت التجربة كونها أتت نابعة من أفكار وتصورات قادتها، حقا لقد كانوا يودون بناء دولة كفاية اقتصادية ..واشتراكية ضمن نسق الاجتهادات التي تعلموها واطلعوا عليها لكن الواقع المختلف عن المجتمعات التي نقلوا عنها احدثت شروخا، ليس هنا مكان مناقشته.

كان مدير المدرسة الأستاذ أحمد المشرقي خمسيني وهو من قرية تقع قبل مودية مباشرة، درس في زمن بريطانيا إلى الاعدادية أو المتوسطة ثم عمل طويلا في سلك التعليم ، كان فيه ذكاء اليمني حاول مرة أن يسألني في الكيماء طبعا هو لم يدرس الكيمياء ،وشاهدت يده تمتد في درج مكتبه، ولم يدرك أنني انتبهت لتقليبه صفحات كتاب ..سألني عن تفاعل تصنيع كلوريد الصوديوم بطريقة تبدو وكانه يعرف في الكيمياء ويختبرني، لا ادري إن كنت محقا ام لا اجبته، بتعبير فلسطيني للتحبب يا أبو المشارق ألعب غيرها، ما أعرفه في الكيمياء يعجز عنه كل من درس في غير جامعة دمشق. وافضت يمكنك أن تختبر كل مدرس تربويا أو في العلوم الاجتماعية مثلا أما يا صديقي الفيزياء والكيمياء فلا.

يبدو أن ما جرى معي مع المدير مقارنة بزملاء لي كانوا يتمنون رضاه ، قد أثار لديه نوازع خفية فحاول أن يحضر لي دروساً متعددة أكثر من بقية زملائي. صوتي كان قوياً معلوماتي غزيرة خاصة وأن المنهاج الذي كنا نعلمه هو المنهج المصري الذي حصلت فيه على تقدير ممتاز في الكيمياء. انتقدني بأن صوتي يؤثر على الطلاب وتركيزهم..!! ثم انني كنت في داخلي أعتقد أن وجودي هنا في اليمن الديمقراطية للمساهمة والنضال على الجبهة التعليمية والتي كنت أظنها ستكون عاما فقط.

بالإجمال كانت تجربة الحياة للسنة الأولى في مودية سنة جميلة فيها نزلت من حالة الحلم التي ربطتُ ورهنت حياتي بها وهي العمل الثوري لتحرير فلسطين والحياة الرفاقية المعتمدة على مبادئ الفداء والتضحية إلى نماذج لحياة عادية مرتهنة للمصالح الصغيرة والمكاسب الضيقة فمن أجل أن يسمح لك المدير مثلا للذهاب الى عدن لتحويل نسبة ٧٠% من راتبك الى عملة اجنبية أو أن تكسب فراش أو أثاث أفضل (سامان) كان مسؤول النقابة يتهاون في المطالبة ببعض الحقوق لزملائه.
عموما كانت المدرسة نموذجا لوحدة عربية هناك مدرسين عراقيين وأربعة يمنيين المدير والنائب السياسي والنائب الأداري واستاذ الرياضة عبدالله فضل علي والبقية الباقية من الفلسطينيين.

من طلابي الذين لا انساهم الوزير أحمد بن أحمد الميسري، وقد كان فوضويا مشاغبا، لكنه كان جريئا إضافة إلى مدراء ثانويات واطباء وضباط شرطة ومضيفين في شركة اليمدا.