الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



اخبار عدن

السبت - 09 نوفمبر 2019 - الساعة 02:15 م

كتب / د عبده يحيى الدباني

ابو القصب الشلال اسم مألوف ومعروف في الوسط الثقافي في الجنوب وفي الشمال . تعرفت عليه قبل سنوات في عدن حين زارنا في مقر فرع اتحاد الأدباء والكتاب في عدن إنسان بسيط وشاعر مرهف ومثقف موسوعي أدمن  القراءة منذ الصغر .

يساري بروليتاري حسب توصيف العهد الاشتراكي في الجنوب.
لست هنا بصدد الحديث عن سيرة هذا الشاعر التهامي الذي تحولت تهاميته إلى تهمة لدى جهاز الأمن الوطني في الشمال الذي زج بهذا الشاعر المثقف في السجن مرتين في وسط الثمانينيات وفي آخرها وكذلك فعل الأمن الوطني سيء الصيت بالاستاذ عبدالباري طاهر ويوسف الشحاري وغيرهما.

كنت أعجب من هذا الاسم وكنت اظنه كنية (أبو القصب الشلال )  كنت أشعر بالمسحة الصوفية لهذا الاسم ؛ فتبين لي من خلال سيرته أن أسرته اسمته بهذا الاسم تيمنا باسم
أحد الأولياء في تهامة ؛ لكي لا يموت وهو في المهد مثل إخوته السابقين .

درس  أبو القصب في كتاتيب الحديدة وخاض في البحر صيادا مثله مثل أبناء حارته الساحلية  وعشق القراءة والعلم والتعليم ، كان قريبا من أجواء مدينة زبيد مدينة العلم والعلماء والأدب والأدباء لولا قسوة الحكم الزيدي ملكيا وجمهوريا .
وحين ضيق الأمن الوطني عليه الخناق في نهاية السبعينات ؛ عبر الحدود متخفيا مع أسرته إلى عدن ومنها إلى موسكو من غير منحة لا شمالية ولا جنوبية . وفي مدن الثلج عاش ودرس ودرست زوجته وأولاده ولحقه  الفقر والحاجة إلى  بلد الكادحين ، لولا تدخل الأستاذ عمر الجاوي رحمه الله والدكتور عبدالعزيز المقالح شفاه الله.
وحين عاد كان ذلك عبر عدن وقبل ذلك بسنوات  عدة كان في بغداد فتم استدعاؤه  إلى سفارة الجمهورية العربية اليمنية هناك وطلب منه تسليم جوازه وتسليم نفسه ليتم ترحيله مكبلا إلى صنعاء  لأنه مطلوب سياسيا ،  بيد أنه رفض ذلك وهدد بتسليم نفسه وجوازه لسفارة دولة  الجنوب في بغداد .
 ومرت الأيام والسنون وشاعرنا يعاني الفقر والتهميش
مع أنه علم من اعلام تهامة الثقافية وعضو مؤسس في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين . وحين ادلهمت الأيام من جديد وتفجر بركان الحرب نزح مع اسرته إلى عدن .
عدن ..التي احتضنت الشاعر في كل مرة وخلصته من مطاردة نظام القبيلة والعسكر ،هذه المرة استقبلته نازحا قد أخذ منه الدهر ما أخذ ونال منه السجن والتشرد..وقد باتت عدن نفسها أسيرة الأوضاع والمكايدات في ظل حكومة شرعية عقيمة تركت صنعاء لأحفاد الإمام وجاءت تتربص بعدن التي حررها ابناؤها من أحفاد الإمام القاسم وكتائب عفاش وإرهاب  الأحمر .
وفي عدن لفظ الشاعر أنفاسه وهو نازح مشرد ودفن في ثراها المباركة مثل اسمه .
 لم يزرنا إلى مقر الاتحاد أثناء فترة نزوحه في عدن،  كما كان يفعل من قبل ، لعل المرض كان قد اقعده ؛ وكذلك لم نعلم نحن بمرضه لنزوره ونقدم جزءا بسيطا من الواجب،
رغم قسوة الظروف الخاصة والعامة .

كان أبو القصب يحب عدن ويتألم مما جرى لها حين حولها نظام صنعاء الغازي إلى قرية ؛ كان يذكرني بصديقي التهامي الشاعر علي دهيس الذي لا أعلم اليوم ما هو مصيره .
 كان علي دهيس يدرس معي في جامعة الموصل شمال العراق، قبيل الغزو الأمريكي للعراق حدثني مرة قال:
أقسم لك أننا كنا في تلك الليلة الظلماء ليلة 7 يوليو 94م نتسمع الأخبار ونحن فوق تراب الشاطئ منكسرين حزانى حين سقطت عدن بيد قوات الشرعية ؛ لقد بكينا ليلتها بمرارة.
قلت له هل لأنك عضو في الحزب الاشتراكي ؟ قال لا ليس هذا فقط ولكن لأن عدن أيقونة المدنية والتقدم والحضارة وهؤلاء الاوباش هم أعداء النور والحياة والتقدم ، وسوف ينتقمون منها .

لا ندري لماذا تنجح القوى الشمالية في كسب جنوبيين
إلى صفهم عن تعصف الأزمات فما من ناعق شمالي
فاسد الا وأخذ نصببا من الجنوبيين،  يتعصبون له أكثر من نفسه. بينما نحن في الجنوب لم نستطع ان نستقطب أنصارا شماليين لقضيتنا الجنوبية العادلة?
المشكلة كذلك أننا قبل الوحدة المغدورة اعطينا الشماليين ثقة مطلقة.
وبعد أن جرى لنا ماجرى من تجارب مريرة معهم، نزعنا الثقة كاملا بكل شمالي وصار الشك فيهم مطلقا؛ ولكن الثقة المطلقة والشك المطلق لا يصلحان في عالم السياسة ولا حتى في الحياة نفسها لأن الأمور نسبية.
فمن أبجديات السياسة  ان نكسب بعض الشماليين ونحيد بعض قواهم ، ولكن بالعقل وليس بالعواطف .

وبينما كنا في لقاء مقيل اسبوعي في مقر الاتحاد إذا بامرأة كبيرة تصعد الدرج تصحبها بنت فظننت أنهما قد اخطأ العنوان ولكن سرعان ما عرفت ان هذه المرأة هي زوجة زميلنا الراحل أبو القصب الشلال رحمه الله وتلك ابنتها .
نعم..هي الأستاذة فاطمة الشريف مناضلة وطنية تهامية
وناشطة معروفة وكاتبة.
تكلمت بمرارة عن رحلة التشرد والنزوح قبل موت زوجها وبعده تشتتت  الأسرة :  ابنان في صنعاء وهي وهذه البنت في عدن تقيمان عند ناس يعرفونهم. ابو القصب لم يستلم منذ بدء الحرب في 2015م وانقطعت حياته وراتبه
موقوف ولا يزال.

كانت محبطة تماما من وزارة الثقافة ومن وزارة المالية ومن قيادة اتحاد الأدباء. قالت لي اني عندي أمل بالمجلس الانتقالي وهي لا تعرف أني من أنصار الانتقالي . قلت لها قابلي الرئيس عيدروس الزبيدي قالت هو في الرياض وغدا سوف يوقعون على الاتفاقية وسيعود قريبا.. قلت لها أنا أعرف ذلك ولكن أردت أعرف ردك .. كانت تتكلم بحماس عن المجلس الانتقالي .
الكارزيما غالبا جنوبية والرياح الجنوبية دائما تبشر بالخير ، مع أننا ندفع ثمن ذلك باهضا.
ودعت الأم وبنتها واعدا اياهما ان ابحث عمن يتواصل مع وزير الثقافة ووعدتهما أن اوصل صوتيهما لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي .

وحتى لا نبخس الناس أشياءهم فإن الأستاذ محمد ناصر شراء رئيس فرع الاتحاد في عدن قد تواصل مشكورا مع وزير الثقافة ووعده خيرا.

رحم الله شاعر تهامة وأبرز مؤسسي الحراك التهامي الذي عشق عدن ودفن فيها
وأسرته اليوم في عدن تناشد رمز الجنوب ورئيسها عيدروس الزبيدي وفقه الله وسدد خطاه.