من تاريخ عدن

الأحد - 26 أبريل 2020 - الساعة 12:21 ص

بحث وإعداد وترجمة / بلال غلام حسين

جائحة الطاعون في عدن .. 1900 – 1904م

إنتشار الوباء وتعامل الادارة البريطانية للقضاء عليه


إيقاف حركة الملاحة التجارية وإخضاع طواقم السفن لقانون الحجر الصحي

كيف تعاملت حكومة عدن مع الوباء والتدابير التي اتخذتها


في بدايات القرن العشرين الماضي واجهت عدن أكبر جائحة في تاريخها, شُلت فيها كافة مفاصل الحياة تماماً, وكان لها تأثير سلبي كبير في شتى نواحي الحياة الاقتصادية والإجتماعية وخسائر بشرية كبيرة بالمقارنة بنسبة عدد السكان وقتها.
الاعلان رسميا عن انتشاره

ففي 25 فبراير 1900م, أفادت التقارير الصحية الواردة من مستوطنة عدن, أنه تم الإعلان رسمياً عن إنتشار وباء الطاعون فيها, على إثر برقية أستلمها القنصل العام للولايات المتحدة من مكتب الحاكم العام لعدن, والتي أفادت:
"بأن هناك تقارير غير رسمية عن إكتشاف عدد من الحالات المصابة بوباء الطاعون ما بين 8 – 10 حالات, ووفاة 4 أشخاص من بين هذه الحالات. وتعمل السلطات حالياً بمحاصرة الوباء التي تم إكتشافه في إحدى أرصفة الميناء ما بين التواهي وعدن, وتحديداً في منطقة (حجيف), حيث يعيش عدد من الكوالية (الحمالين) وعائلاتهم, وتم إدخال هذه الحالات مباشرة إلى المحجر الصحي (الكارنتينا) في جزيرة (فلنت) لكي لا ينتشر الوباء في المدينة. وأضافت البرقية: "أنه على الرغم ما قيل عن هذا الوباء بأن لا يتواجد في المناطق الصخرية الجرداء, كما هو الحال في عدن, إلا أن إكتشاف تلك الحالات أعطى إنذارا للأوروبيين خلاف ما كان سائداً لديهم من إعتقاد."

المرسوم رقم 6

ونتيجة لظهور هذه الحالات أصدر مكتب الصحة البحرية المرسوم رقم (6) بتاريخ 25 فبراير 1900م, والتي أعلنت فيه: "تفشي وباء الطاعون في الميناء" وأنه بموجب أحكام المرسوم رقم (3) والمؤرخ في 8 مايو 1897م, وأحكام المرسوم رقم (6) والمؤرخ في 15 يوليو 1897م, وأحكام المرسوم رقم (1) المؤرخ في 24 يناير 1900م, سوف تُطبق الإجراءات الصحية الخاصة بهذه المراسيم على السفن المغادرة من ميناء عدن إلى موانئ بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول.
محاصرة آخر حالة

وحتى تاريخ 25 يونيو من نفس العام أعلن المسئول الطبي بأنه تمت محاصرة آخر حالة مصابة جرأ هذا الوباء الذي حصد الكثير من الأرواح حينها, حيث بلغ إجمالي الحالات المصابة 714 حالة, تمت إحالتهم ما بين مستشفى الأمراض المعدية في منطقة حُجيف والذي تأسس عام 1896م, والمحجر الصحي (الكارنتينا) في جزيرة (فلنت) والذي تأسس عام 1897م, لهذا الغرض.

تقارير عن سبب الوباء

وأفادت التقارير بأن الفئران هم السبب الرئيسي في نشر هذا الوباء القاتل في مناطق عدن بشكل كبير. وقد قامت حكومة عدن بسرعة اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لمحاصرة الوباء, وعملت على نقل كافة السكان الواقعين في مناطق الوباء وعزلهم في جزيرة (عالية), وقامت بعملية تعقيم شاملة للمحلات والبيوت في هذه المناطق. كما أعلنت الحكومة عن جوائز نقدية وقدرها (سنت ونصف) لكل شخص يقتل فأراً في حدود مستوطنة عدن.
شلل في في الحركة التجارية

وجرأ هذا الإنتشار لوباء الطاعون تعطلت التجارة ومصالح التُجار في عدن بشكل كبير, ورفض العديد من التُجار ممارسة نشاطهم في ظل هذا الوضع المُزري الذي تمُر به البلد, كما أُصيبت الحركة الملاحية بشلل تام, حيث رفض مالكوها القيام بعمليات الاستيراد والتصدير للبضائع من وإلى مستوطنة عدن حتى يتم الإعلان رسمياً بالقضاء على الوباء.
نتائج كارثية

وكانت نتائج إنتشار وباء الطاعون في عدن كارثية من الناحية البشرية, حيث حصد الكثير من الأرواح والتي بلغ عددها 575 شخص من إجمالي 714 الذين أصابهم الطاعون, وبلغ عدد الحالات التي تم علاجها 229 حالة. وبتاريخ 3 يوليو 1900م, أستبشر الناس خيراً عندما أعلنت حكومة عدن عن شفاء آخر حالة من وباء الطاعون وخروجه من المحجر الصحي (الكارنتينا) والإعلان رسمياً بأن مستوطنة عدن أصبحت خالية من الوباء التي تم حصاره خلال فترة وجيزة ولكنه خلق حالة من الذعر في أوساط المجتمع العدني.
لم يدم ذلكم الإعلان طويلاً, حتى ضرب هذا الوباء الفتاك مستوطنة عدن مرة أخرى في تاريخ 9 مايو 1904م, كما ورد في تقارير الصحة العامة التي أفادت أنه في هذا التاريخ تم الإشتباه في أثنان من الموظفين من بين مجموعة من الموظفين مُصابان بالحُمى ويعملان في (شركة كاوسجي دنشو وأخوانه المحدودة) في منطقة التواهي, وعلى الفور تم إبلاغ الضابط الطبي للميناء الكولونيل (مونكس) والذي أمر بوضع هاذين الشخصين في المحجر الصحي (الكارنتينا), وتمت إتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع إنتشار هذا الوباء في مستوطنة عدن.

العمل بقوانين الحجر الصحي

وعلى الفور قام الضابط الطبي للميناء, بأستصدار تعليماته لكافة الشركات الملاحية والقُنصليات الأجنبية المتواجدة في المستوطنة, وطلب منهم العمل بموجب قوانين الحجر الصحي حتى يتم إصدار قرار آخر بهذا الخصوص بحسب تطورات الأوضاع .. كما طلب منهم عدم التواصل مع الميناء, وإيقاف كافة العمليات التجارية عبر سفنهم خلال هذه الفترة, كما منع طلوع الكتبة أو الكوالية (الحمالين) أو أي شخص مرتبط عمله بالميناء إلى السفن, وإن كان ولابد أن يقوم بعمله, فأنه سوف سيتم وضعهم في المحجر الصحي بعد نزولهم من السفن.
وبعد إصدار هذه التعليمات من قبل الضابط الصحي للميناء, قام على الفور بالتواصل مع حاكم عدن (العميد ميتلاند) للتأكد من أن وباء الطاعون قد أنتشر في مستوطنة عدن, حتى يتسنى لهم إتخاذ التدابير اللازمة, ولكن الحاكم رد عليه, بأنه تم الإشتباه في تلك الحالتين ولكن الحكومة لا تريد الإعلان رسمياً عن إنتشار الطاعون في عدن حتى تتأكد تماماً من حالتهما.
تعليمات حاكم المستوطنة

وفي 13 مايو 1904م, أي بعد أربعة أيام من الإشتباه بالحالتين في التواهي, وجد شخص آخر في إحدى الشوارع الخلفية في مستوطنة عدن, وتم التأكد من خلال الفحوصات بأن آثار الطاعون ظاهرة عليه, وعلى إثر هذا التأكيد الطبي تم الإعلان رسمياً في 14 مايو 1904م, بإنتشار وباء الطاعون في عدن, وعليه تم إصدار التعليمات التالية من قبل حاكم مستوطنة عدن كما يلي:
•على رب الأسرة الإبلاغ عن أي حالات وفاة بين أفراد أسرته لمكتب تسجيل المواليد والوفيات في كريتر, بعد إستلامه لتقرير رسمي من الضابط الطبي للمستوطنة يظهر فيه سبب الوفاة.
•على المُسجل العام بعد إستلامه للتقرير, عليه القيام مباشرةً بإرسال نسخ منه للمسئول الطبي المدني, ومكاتب تسجيل المواليد والوفيات في المعلا, التواهي والمسئول الطبي في الميناء.
•سيقوم الضابط الطبي في المستوطنة على مدار أربعة وعشرين ساعة بإصدار التقارير الرسمية من قبله عن سبب الوفاة, وفي حال وجد أن حالة الوفاة لم تكن بسبب الطاعون, فأن مسجل المواليد والوفيات في مكتب التسجيل في المنطقة التي وجدت فيها الحالة سوف يقوم بإصدار تصريح الدفن لأسرة المتوفي.
•في حال تبث بأن سبب الوفاة كان بإصابة المتوفي بالطاعون, فأن تصاريح الدفن سوف يتم إصدارها من قبل الضابط الطبي المدني للميناء.
•أي شخص سيقوم بمخالفة هذه التعليمات سوف يتم مُعاقبته بموجب القوانين الصادرة في مستوطنة عدن.
متابعة حثيثة لحالات الاصابة

وكان على الضابط الطبي للميناء بأن يقوم برفع تقارير أسبوعية لمكتب الحاكم واطلاعه عن الحالة الصحية في المستوطنة أول بأول. وخلال الفترة من مايو وحتى أكتوبر لم يتم الإعلان عن إكتشاف أي حالات مصابة بالطاعون, والحالات الثلاث التي تم إكتشافها في التواهي كانت قاتلة وأودت بحياة شخصين من الثلاثة.
وأثناء ذلك أُعطيت التعليمات من قبل مكتب حاكم عدن بإعادة الحياة إلى مجاريها ولكن بحذر شديد, وبدأ النشاط التجاري في الميناء تدريجياً, ولكن كان لزاماً على الإدارة بأن تقوم بعملية تعقيم لكافة البضائع الصادرة والواردة من وإلى ميناء عدن.
ولكن في شهر نوفمبر من نفس العام, أُكتشفت الكثير من حالات الطاعون بين السكان, وهذه المرة كان بشكل أوسع, وحصد الكثير من الأرواح فاقت أعدادهم عن الفترة السابقة قبل أربع سنوات, وأُصُيبت المدينة بالشلل التام, نُقل على إثرها المصابون بالوباء إلى المستشفيات المُخصصة بالأمراض المُعدية في الشيخ عثمان ومنطقة حُجيف, ومستشفى (كيث فالكونير) المعروف بمستشفى عفارة, ونقل الآخرون إلى المحجر الصحي (الكارنتينا) في (جزيرة فلنت).
القضاء على الوباء

إستمرت الإحصائيات الأسبوعية المُقلقة لحالات الطاعون وأعداد الوفيات بالتوافد إلى مكتب حاكم مستوطنة عدن بدءً من الفترة من 25 نوفمبر 1904م وحتى 9 يونيو 1905م, وخلال هذه الفترة عملت الحكومة جاهدةً بإتخاذ كافة الإجراءات الصارمة بكل ما أُوتيت من الوسائل اللازمة للقضاء كلياً على هذه الجائحة التي ألمت بعدن في تلك الفترة, وبدأت حالات وباء الطاعون والوفيات بالإنحسار رويداً رويداً ومن منطقة إلى أخرى, حتى تمت محاصرته والقضاء عليه كُلياً في 9 يونيو 1905م, عند وفاة آخر حالة في جزيرة عالية, والإعلان رسمياً عن إنتهاء وباء الطاعون في مستوطنة عدن.

حالات الاصابة والوفيات

وخلال هذه الفترة سُجلت إجمالي عدد الحالات المصابة بوباء الطاعون رسمياً 2287 حالة, بينما وصل إجمالي عدد الوفيات المسجلين رسمياً إلى 1977 حالة وفاة.