اخبار وتقارير

السبت - 16 أبريل 2016 - الساعة 11:45 ص

مع بدء اعلان الهدنة تمهيداً لمفاوضات الكويت، وبعد انقضاء أكثر من سنة على الحرب التي شنّها التحالف الخليجي العربي لإسقاط “انقلاب” مليشيات الحوثيين والمخلوع صالح، بات السؤال الأساسي:  ماذا حقّق التحالف العربي في اليمن، على الأرض؟.
وأجرت مجلة “باري ماتش” الفرنسية، مقابلة مع المحلل العسكري “مايكل نايتس”، الذي يعرض، بكثير من التفاصيل، ماذا حقّق التحالف الخليجي، وإداءه العسكري المدهش الذي لم يتوقّعه المحلّلون الدفاعيون.
ومايكل نايتس هو زميل في برنامج الزمالة “ليفر إنترناشيونال” في معهد واشنطن، وهو مقيم بلندن ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية في العراق وإيران وبلدان الخليج.
 
س/كتبت ثلاثة تقارير مفصّلة جدّاً حول الحرب الأكثر �غموضاً � حالياً. لماذا تفتقر هذه الحرب إلى تغطية كافية؟ هل يعود السبب إلى أنها تخص السعوديين والإيرانيين وحدهم، ولا تتدخّل فيها دول أجنبية مباشرةً؟
ج/ اليمن حرب منسية جزئياً لأن هنالك حروباً أخرى في المنطقة: الحرب الأهلية السورية، والحرب العراقية ضد � داعش �، وحرب تركيا ضد أكرادها، والنزاع الليبي. كل من هذه الحروب كان يمكن أن تصبح قصة كبيرة في �الأزمنة السابقة �، أي قبل العام 2011: ولكنها باتت، اليوم، قصصاً صغيرة تتنافس لحجز مكانٍ لها في أعمدة الصحف.
السبب الثاني هو أن الحرب تدور في بلد غامض، وبعيداً عن أي تدخل غربي واضح. إنها قصة معقدة تعود إلى التسعينات: من الصعب أن يشرح المرء كيف أن 6 حروب مريرة دارت بين الحوثيين ونظام الرئيس علي عبدالله صالح ولكنهم، اليوم، باتوا يتحالفون (بدعم من إيران) لمواجهة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي التي يعترف بها المجتمع الدولي. 
معلومات كثير من المحلّلين العسكريين حول التغيرات الحاصلة في جيوش الخليج عفا عليها الزمن.
  س/ باري ماتش:  تضمنت سلسلة التقارير التي نشرتها وصفاً مدهشاً للقتال الدائر الذي تشارك فيه دبابات، وآليات مضادة للألغام والكمائن، وهليكوبترات هجومية، وعدد يصل إلى 300 طلعة يومياً للمقاتلات العربية. لا أذكر أن أي سلاح جو عربي سبق له أن حقّق مثل هذا العدد من الطلعات القتالية في يوم واحد. هل تعتبر ذلك بمثابة � مفاجاة استراتيجية �؟
مايكل نايتس:  سيصاب كثير من الناس بالدهشة لأن التحالف الخليجي العربي تمكّن من خوض هذه الحرب بدعمٍ خلفي فقط من جانب الحكومات الغربية وشركات المعدات العسكرية. ولكن ذلك لم يكن مفترضاً أن يُدهش المحلّلين العسكريين. وقد سمح الكثير منهم لنفسه بعدم تحديث معلوماته حول التغييرات الحاصلة في جيوش الخليج. فسنةً بعد سنة، قامت تلك الجيوش بتحديث نفسها، وبتعزيز طابعها المحترف. وفي الحرب الدائرة حالياً في اليمن، فحتى السودان تمكّن، مراراً، من نشر أسراب من طائرات � سو-24� المتقدمة المخصصة للهجمات ضد أهداف أرضية. وكان إداء الإماراتيين رائعاً بصورة خاصة- ولكن كان جديراً بالمراقبين أن يتوقّعوا ذلك.
لقد عمل الإماراتيون بطريقة جدّية للغاية- جزئياً، بمساعدة من الفرنسيين- لبناء جهاز عسكري قوي ومؤثر. وقد يُصاب بعض القرّاء بالدهشة إذا قيل لهم أن دولة الإمارات كانت قد أرسلت قوات تدخّل إلى لبنان، والصومال، وكوسوفو، وافغانستان، وليبيا، ثم إلى اليمن حالياً. لقد كانوا يستعدون لهذه الحرب منذ زمن طويل.
 س/لماذا اتخذت حكومات الخليج قرار الحرب؟ هل كان ذلك قراراً � متهوراً � كما يزعم البعض؟
ج/برأيي، أنهم اتخذوا قرار الحرب ليقولوا لإيران أنهم مستعدون للقتال للحؤول دون مزيد من التوسّع الإيراني في سوريا، ولبنان، والبحرين، واليمن. واتخذوا قرار الحرب ليعلنوا أنه حتى لو أبرمت الولايات المتحدة صلحاً مع إيران، فإن دول الخليج � مستعدة للقتال وحدها � بغية إلحاق الهزيمة بالحكومة المدعومة من إيران في اليمن. لقد شرعت السعودية والإمارات بالسير على هذا الطرق حينما أرسلت قواتها إلى البحرين إبان من أطلقت عليه تسمية الربيع العربي. إن حرب اليمن هي الخطوة الثانية. من جهة أخرى، فقد استخدمت دولة الإمارات هذه الحرب لبناء شعور وطني وللتحوّل إلى أمة أقوى.
س/ذكرت في مقالاتك أنه حان الوقت لجهود الوساطة قبل أن يباشر التحالف الخليجي العربي هجومه على صنعاء وصعدة، وإلا فإن الحرب ستصبح دموية فعلاً. هل يمكن أن تقوم وساطة ما، ومن هو المؤهل للقيام بها؟
الجانبان بحاجة للتفاوض، ويمكن للأمم المتحدة أن تكون وسيطاً دولياً. فالأمم المتحدة كانت قد وضعت اليمن تحت حماية مجلس الأمن ودعت كل الدول الأعضاء للإمتناع عن تسليح الحوثيين. أما إذا دعت الحاجة إلى وسيط محايد من المنطقة، فإن عُمان هي الخيار الواضح لأنها ظلت على الحياد في هذه الحرب. في جميع الأحوال، فالأطراف المهمة هي السعودية، والحوثيون، وأنصار صالح. ينبغي أن تصل الأطراف المقاتلة المحلية لقناعة بأن لديها منفعة مشتركة في وضع حد للقتال. إن الضغط الدولي لا يمكن أن يحلّ محل مثل تلك القناعة.
س/ تقول أن � القاعدة � استفادت من الحرب واستقوت في � المناطق المحررة �. كيف ذلك؟
ج/ وسّعت “القاعدة” و”داعش” وجودها في جنوب اليمن إبان حالة الفوضى الناجمة عن الحرب. لقد خاضت الدولة اليمنية الحرب ضد �القاعدة �، بمختلف أشكالها، طوال 18 سنة. وإبان � الربيع العربي � في 2011، حينما كان نظام صالح يصارع للبقاء على قيد الحياة، كان نصف جيشه يخوض معارك كبيرة ضد � القاعدة” في جنوب اليمن بمساعدة الطيران الأميركي. لكن، حينما بدأت حكومة هادي المدعومة من دول الخليج بالقتال ضد الحوثيين، فإن الخصمين الرئيسيين للقاعدة باتا منشغلين بالقتال في ما بينهما. الآن، بدأ التحال بالتركيز على مواجهة القاعدة مع مواصلة الحرب ضد الحوثيين. وتقوم السعودية والولايات المتحدة الآن بإقفال المرفأ الرئيسي الذي تستخدمه � القاعدة � في المكلا، وهما يشنان غارات كوماندوس وضربات جوية ضدها. كل ما في الأمر هو أن الحرب باتت اكثر تعقيداً.
 س/وجهة النظر السائدة، في الصحافة الأوروبية، هي ان التحالف الخليجي � لم يحقق شيئاً � على الأرض! برأيك، ماذا حقق؟ هل تستطيع أن تجيب بالتفصيل؟
أولاً، في الحرب الجوية:
ج/  كما ذكرت في تقريري، فقد دمّرت الحرب الجوية قسماً كبيراً جداً من قوة الصواريخ التي كان الحوثيون وصالح يمتلكونها، وألحقت ضرراً كبيراً بالآلة الحربية للحوثيين وصالح، ووفّرت إسناداً جوياً قريباً مؤثراً جدا، وفعالاً للهجمات البرّية، الأمر الذي سمح بنجاحها بكلفة اقل. إن أي دولة لا تخوص حرباً بدون دعمٍ جوي إذا كان لديها قوة جوية: وهذا، بالضبط، ما تفعله دول الخليج.
ثانياً، في الحرب البرّية
ج/ نجحت الحرب البرّية في تحرير عدن واجزاء من تعز، أي المدينتين الثانية والثالثة  في اليمن من حيث عدد السكان. ولم تنتهِ الحملة البرّية الخليجية بعد- فقد تضطر إلى تحرير العاصمة، � صنعاء �. ويمكن أن تسقط المرافئ التي يحتلها الحوثيون، على شواطئ البحر الأحمر، في أيدي قوات التحالف الخليجي. من جهة أخرى، استعادت الحكومة الشرعية السيطرة على حقول النفط والغاز الرئيسية في مأرب وشبوة.
ثالثاُ، الحصار البحري
ج/ نجح الحصار في عرقلة محاولات إيران لإعادة تموين الحوثيين بدرجة كبيرة. وهذا ما تظهره المعدات التي تم احتجازها، وبينها حمولة سفينتين في الأسابيع الثلاثة الماضية وحدها. لقد تم تعزيز الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تزويد قوات الحوثيين وصالح بالسلاح.
 س/هل كانت الحرب البحرية هي الجبهة التي ظهر فيها ضعف القدرات السعودية بالمقارنة مع الحرب الجوية مثلاً؟
ج/ كلا، هذا ليس صحيحاً. فمنذ سنوات، كرّس السعوديون سفنهم الحربية للقيام بأعمال حظر في المياه الساحلية اليمنية، ولو أن ذلك كان في الماضي بهدف الحدّ من تدفق الإرهابيين واللاجئين (بسبب الفقر) من اليمن. لقد كانت الحرب البحرية في السنة الماضية أكثر حدّة من كل العمليات التي قام بها السعوديون في الماضي، ولكن ينبغي ألا ننسى أن السعودية ودول خليجية أخرى تشارك في عمليات اعتراض بحرية، إلى جانب أساطيل أجنبية، منذ 10 سنوات تقريباً. وقد ساعدتهم هذه الخبرة في عمليات التنسيق ولامتلاك معدات تتكامل مع معدات الأساطيل الصديقة.
س/برأيك، ما هي الدروس التي سيستخلصها � الباسداران � الإيراني من دراسة حرب اليمن؟ والدروس التي ستستخلصها الولايات المتحدة؟
ج/ لن أقوم بعمل � الباسداران � نيابةً عنهم، ولكن الولايات المتحدة والتحالف الخليجي يمكن أن يستخلصوا عدداً من الدروس:
أولاً، أن القدرات العسكرية لدول الخليج العربية، وخصوصاً دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، شهدت تطوّراً كبيراً منذ حرب الخليج في العام 1991. وباتت تلك الدول قادرة الآن على قيادة عملية عسكرية كبرى، ومعقّدة، تستغرق سنة او أكثر. وباتت دول الخليج قادرة على تنفيذ عمليات إنزال برمائية، وهجمات بإسقاط مظليين، وعمليات حصار بحري، وعمليات اقتحام بالدبابات والمدرعات بأسلوب � البليتزكريغ �، وهذا علاوة على القيام بعمليات دفاعية ضد الهجماته بالصواريخ.
ثانياً، إن الإستخدام المحدود نسبياً لقوات برّية تابعة لدول التحالف الخليجي لعب دوراً إيجابياً وحاسماً في عدد من الجبهات التي جرى خوص القتال فيها في وقت واحد، وأسفر عن تعزيز سيطرة الحكومة الشرعية على مدينتين من أصل أكبر ثلاث مدن في اليمن، وارغم الحوثيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات- في وقت تهدّد قوات التحالف الخليجي بتحرير � صنعاء � بالقوة العسكرية.
ثالثاً أنه يمكن مقاومة توسّع إيران وإلحاق الهزيمة بها في الميادين التي يكون انخراطها فيها جزئياً فقط، ولكن حرباً حقيقية مع إيران ستكون بمثابة كابوس.
إن الحوثيين ليسوا حزب الله اللبناني، بعد. وربما كانت مجهودات التحالف الخليجي قد حالت دون تطوّرهم في ذلك الإتجاه. ولكن ذلك يعني أن دول الخليج لم تواجه المجهود الحربي الإيراني الحقيقي، بعد.