تحقيقات وحوارات

الإثنين - 06 مايو 2019 - الساعة 07:34 م

كتب /ذويزن مخشف تصوير عبدالله الظبي

أفول تهديدات الجماعات المتطرفة عن ابين ينتظر التنمية

أبين تتعافى من الارهاب لكن حرب التنمية مازالت بعيدة المنال

 عبداللطيف السيد وقواته بدعم الامارات رأس حربه الانتصار على القاعدة.. 

أبين اكثر مناطق اليمن تضررا من الحروب بلا اعمار وتنمية

استعادة أبين -خلال فترة وجيزة- عافيتها منهية معاناة سنين حرب أكلت الاخضر واليابس مع تنظيم القاعدة

سنوات مريرة ذاقتها مختلف بلدات المحافظة الزراعية المطلة على بحر العرب لكن اليوم تبدو هناك الحياة باحسن حال بعدما استطاعت في أقل من عامين سلطات امنية وليدة التأسيس من كبح نشاط الجماعات المسلحة ونجحت بالفعل في اعادة الاستقرار وتثبيث الأمن الغائبين طوال العقدين الماضيين عن هذه المنطقة التي تبعد مسافة 70 كيلومترات عن ميناء عدن.


بدايات التطرف 

عند زيارة أبين لا تخفى عن الانظار اثار تلك الحرب المدمرة إذ ماتزال الشواهد باقية في مختلف مناطق المحافظة والذكريات المؤلمة تخيم على اذهان السكان خاصة في مدينتي زنجبار وجعار اللتين أقام فيهما مسلحو التنظيم سلطاتهم وارسو لفترات مقاليد الحكم الاسلامي المتشدد.

لكن في الوقت الحاضر بات بالامكان التجول بسهولة في انحاء المدينتين وحتى سواد الليل رغم قلق بعض السكان من وقوع هجمات محدودة يشنها التنظيم ضد القوات الجديدة في بعض المناطق النائية كالمحفد. 

ويصف كثير من المسؤولون تلك الهجمات بعديمة الفائدة وانها لا تشكل مصدر تهديد على امن وسلامة المحافظة برمتها.

إلا أن ما يؤرق أهالي أبين حتى الان هو الاهمال الحكومي على معالجة "المشكلة" نفسها اي إزالة العوامل الجوهرية التي ادت الى ظهور تلك الجماعات المتطرفة في المحافظة.

تبرز أهم الاسباب في استمرار انعدام التنمية والنقص الكبير في الخدمات العامة فضلا عن قلة فرص العمل مع توسع انتشار الفقر وتلك الظروف هي الدوافع الرئيسة التي استغلها التنظيم سابقا للتمدد في المجتمع الابيني واقامة ما يشبه بدولة الخلافة في الفترة بين عامي 2011 و 2016.

ويعود صعود التنظيمات المتطرفة في أبين لاول مرة الى العام 1998 حينما قاد رجلا يدعى ابو حسن المحضار اول هجوم دامي ضد قافلة سياح أجانب حينما كانوا مارين بمنطقة شقره الساحلية في طريقهم الى عدن. وقتل وخطف المحضار 23 سائحا اجنبيا في حادثة سلطت الضوء على بداية مرحلة من الارهاب وظهور تيارات دينية تتبنى العنف في المحافظات الجنوبية تحديدا.


تغيرات وبقايا انقاض 

تعيش مديريات أبين وعددها 11 مديرية حالة امنية جيدة اليوم عقب سنوات من الاضطرابات والفوضى وذلك نتيجة القبضة الحديدية التي تفرضها قوات حديثة من ابناء المحافظة تسمى "قوات الحزام الأمني" والتي تدعمها وعملت على تشكيلها دولة الامارات الشريك الفاعل للسعودية في قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن. 

خلال جولتين قصيرتين في أقل من شهرين في كبريات مدن أبين في زنجبار العاصمة ومدينة جعار الذي غير التنظيم اسمها في ابريل 2011 الى "وقار" تلمست مظاهر الحياة الطبيعية هناك إذ اصبح بمقدور السكان الاستمتاع بالعيش في هدوء وإن كان وسط انقاض المباني المدمرة وسط واطراف تلك الاحياء والشوارع المهملة.

سوت المعارك التي شهدتها المدينتين عشرات المنازل والمبان الحكومية والتاريخية بالأرض ما يعكس حدة القتال والخراب الذي حل بالمدينتين كأكثر مدن اليمن فرض التنظيم سطوته وقوانينه من بين المناطق الأخرى التي حاول اقتحامها او السيطرة عليها في الجنوب قبل وبعد اندلاع الازمة السياسية التي تأثرت بثورات الربيع العربي عام 2011  لإنهاء سلطة وحكم ثلاثة عقود للرئيس الراحل علي عبدالله صالح.

وبمرور العامين الماضيين أخذت الاوضاع في أبين منحى الطمأنينة بشكل ملحوظ مع تثبيت القوات الامنية الجديدة اقدامها وتوسيع انتشارها ومكانتها في مناطق المحافظة حتى تلاشى كثيرا ذلك التدهور الامني الذي ظل يحيط بالمحافظة دهرا. 

ومع ذلك لا تزال السلطات الحكومية المحلية لا تملك المعدات والاليات اللازمة لرفع الركام المكدس في الشوارع وازاحة الكثبان الرملية من على الطريق الساحلي الرئيسي المؤدي للمحافظة من إتجاه عدن ومن الناحية المعاكسة الى محافظة حضرموت.

كما ان كثير من البنايات والمنازل الصالحة وتقطنها اسر متداعية واثار القذائف وتشققات رصاصات باقية بين جدرانها الامر الذي يؤكد انها لم تشهد اي عمليات ترميم او إعمار لها منذ سنين رغم إعلان السلطات الحكومية عام 2013 عن صرفها تعويضات مالية كبيرة للمتضررين في إطار معالجة تداعيات واثار الحرب مع القاعدة في أبين. 

والى الان يرفض عشرات السكانين إخلاء بعض المقرات والمدارس التي تحولت لأماكن تأويهم.

وأبين هي مسقط رأس الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي الذي اعلن في 26 مارس 2015 تحالف عربي تقوده السعودية لاعادته الى السلطة بعد استيلاء جماعة الحوثيين المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر 2014.

وغالبية سكان المحافظة البالغ تعدادهم أكثر من نصف مليون شخص يعتمدون على مهن محدودة تدر دخول بسيطة من اعمال الزراعة ورعي الأغنام وبيع الحطب والمواشي والصيد البحري بينما أصبحت وظائف عسكرية في الوحدات الأمنية الوليدة تجذب قطاع كبير من الشباب للعمل جنودا برواتب مغرية تصل الى الف ريال سعودي شهريا(ما يعادل 150 الف ريال يمني).

وتكاد الاوضاع الصحية في أبين بائسة كسائر مناطق البلاد التي تفاقمت فيها المشكلات المعيشية والاقتصادية والصحية منذ تفجرت الحرب التي دخلت عامها الخامس.


الزراعة.. تضمد الحرب

في جعار المدينة يحاول السكان تضميد جراح الحرب حيث عادت أهم المزارع تنتج الفاكهة وبدأ المزارعون يجنون الاموال من ثمار محاصيل الموز والمنجا واللوز (الفول السوداني) بعد تسويقها الى انحاء مختلفة في البلاد. 

ومن اللافت للنظر انه أصبح من النادر الان رؤية مدنيون مدججون بالاسلحة النارية يتجولون في هذه البلدة التي عانت طويلا سلسلة من التفجيرات الانتحارية وعمليات الاغتيال.


زنجبار عاصمة مكبلة

على بعد بضعة كيلومترات وتحديدا في زنجبار تتناثر بقايا اطلال الحرب في كل مكان. فهذا مبنى السلطة المحلية ذو التصميم الهندسي المكلف هزته مرارا الغارات الجوية حتى اصابه دمار حد بشكل كبير نشاط الموظفين وبقائهم حتى اخر الدوام.

يرى كثيرون إن حالة الاستقرار الامني في عاصمة المحافظة امرا ايجابيا ومفرحا لم تعتاد عليه كبري مدن المحافظة منذ العقد الفارط الذي شهد تناميا للهجمات الانتحارية والاغتيالات. والان حتى ليالي الاعراس الصاخبه في هاتين المدينتين لم تعد تتخللها اطلاق الأعيره النارية في الوقت الذي انحسرت مختلف الجرائم الجنائية.

إلا أن هذا المشهد تنغصه انعدام المشروعات التنموية يقول سكان والذين القوا باللوم في ذلك على الحكومة المعترف بها دوليا التابعة للرئيس هادي.

قال مسؤولون حكوميون في أبين ان الجهات الرسمية ليس لديها خارطة هادفة بمشروعات حيوية على سبيل المثال "ترميم واعادة بناء" المبنى الاداري للحكومة المحلية والمقرات الاخرى المتضررة نتيجة عجز الحكومة المركزية عن ضخ الاموال التمويلية للمشاريع المطلوبة.

وفي حديث قصير فسر امين عام المجلس المحلي للمحافظة مهدي الحامد الاسباب قائلا أن "وضع الدولة حاليا لا يسمح بتمويل اي مشروعات. جهود الحكومة مقتصرة حاليا على توفير المرتبات". ويضيف "لا توجد قدرات مالية لدى الحكومة على إعادة إعمار ماتم تدميره سوا خلال الحرب مع الحوثي ومن قبلها مع تنظيم القاعدة".

ويشير الحامد الى إن السلطات المحلية في أبين تقدم خطة تنموية سنوية للحكومة ولكن لم يتحقق منها إلا نذر يسير في قطاع الزراعة ومجال الكهرباء اخرها خلال فترة رئاسة بن دغر للحكومة ولكن الان توقف ذلك الدعم.


الحزام الامني رأس الحربه 

يعود الكثير من الفضل في هزيمة الارهاب في أبين والانتصار الذي تحقق ضد مسلحو تنظيم القاعدة الى رجل عانى كثيرا من الاستهداف وملاحقة التنظيم له وهو الذي كان يوما احد اعضاءه. 

أصبح من المألوف رؤية عبداللطيف السيد متجولا في الشوارع والاحياء بشكل طبيعي بعدما كان يلاحقه انتحاريوا القاعدة في كل مكان.

في جولة قصيرة في جعار يظهر التفاف الناس حول هذا الرجل كقائد قوات الحزام الامني والتدخل السريع في أبين العميد عبداللطيف السيد فما من شخص إلا والقى عليه التحية واخرون يستوقفوه للاطلاع والبث في معاملات تخصهم.

ومن حول المدينة المترامية يتخذ الرجل الذي فقد إحدى عينيه اثر تفجير انتحاري طاله في عدن في سبتمبر 2011 معسكر 7 أكتوبر الواقع في بلدة الحصن مقر قواته المشرفة على تأهيلها وتسليحها وبإستمرار دولة الإمارات العربية المتحدة.

في ميدان واسع يتلقى مئات الجنود تدريبات قتالية في فنون الاشتباك والانتشار الأمني.. يقول عبداللطيف أن هذه القوات "باتت الان سياج منيع وطوق يحمي جميع مديريات أبين".

عمل السيد منذ توليه قيادة هذه القوات مع بدء تأسيسها قبل 3 سنوات على تجهيز وبناء قواته التقليدية ممن كانوا يعرفون بـ اللجان الشعبية وتحويلهم الى قوة عسكرية نظامية محترفة ومنتظمة. 

ظهرت اللجان الشعبية للمرة الاولى حينما اعلن عبداللطيف انشقاقه عن التنظيم في 15 أغسطس 2011 وبدأ في قتالهم.

ومنذ ذلك الوقت لم يسلم الرجل من محاولات الاغتيال سوى الفردية او الجماعية من خلال هجمات انتحارية طالت حتى اقاربه. وفي احد التفجيرات فقد عبداللطيف ثلاثة من اخوته عندما فجر انتحاري نفسه في مجلس عزاء لاحد اقاربه الذي قتل ايضا اثناء محاولة لاغتيال عبداللطيف السيد.

وحاليا يشكل الرجل رأس الحربة القوة الأمنية التي يصل عددها الى اكثر من 5 الاف مقاتل بالاضافة الى 350 جندي اخرون يشكلون قوام قوات وحدة التدخل السريع والمداهمات (قوات مخصصة في مجال مكافحة الإرهاب). 

وينظر قطاع واسع الى هذه القوات بانها شريك فاعل للمجتمع الدولي في جهود مكافحة الارهاب. وشاركت الولايات المتحدة الى جانب هذه القوة في الكثير من الضربات خلال الفترة الماضية.

وقتل مئات من العناصر المسلحة اثناء المواجهات مع قوات الحزام الأمني او في غارات شنتها طائرات بدون طيار الامريكية. 

يقول سكان ان معظم قتلى عناصر القاعدة في السنوات الفائتة من خارج المحافظة مضيفين بان القتلى من ابناء ابين هم قيادات في الصف الاول والثاني للتنظيم وابرزهم جلال البلعيدي الذي لقي حتفه في ضربة جوية عام 2016.

وفي مطلع العام الجاري ذكرت وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) إن طائرات بدون طيار شنت مئات الغارات  منذ مطلع عام 2016 ضد مسلحي تنظيم القاعدة في اليمن فور تسلم الرئيس ترامب السلطة. 

واوضحت احصائية البنتاجون إن اجمالي عدد تلك الضربات الجوية خلال الاعوام 2016 و 2018 بلغ اكثر من 200 غارة وهو رقم يشكل اضعاف الغارات التي نفذتها واشنطن خلال ادارة الرئيس السابق اوباما ابان فترة حكمه لثمانية أعوام.

يؤكد عبداللطيف إن قواته مستعدة على مواجهة تهديدات القاعدة واستطرد "لدينا الان قوات لا ولن تتوانى في الدفاع عن محافظة أبين وامنها".

وفي غمرة الإحساس بالسعادة والنصر قال عبداللطيف "ندرك تطلعات القاعدة.. نعرف أنها تراقبنا وربما هناك ساعة صفر لمهاجمتنا لكن في الحقيقة فإن اي محاولات من هذا النوع فهي يائسة وفاشلة. حتى التفجيرات الانتحارية لن تعد مجدية بعد اليوم".

يتابع"اسأل هنا او هناك. تجول في المدينة بنفسك. لا وجود لمسلحي القاعدة. اختفوا ولن يعودا كما كانوا في السنوات السابقة حيث كانت هناك سلطات تساعدهم في عملية اسقاط مناطق المحافظة بسهولة ويسر".

قال عبداللطيف هناك اسباب تدفع الناس الان الى مواجهة القاعدة وافكارها الخاطئة.. ويوضح"ابناء (أبين) هم الان من يشكلون نواة هذه القوة العسكرية والامنية الضاربة. هم من يتولون محاربة القاعدة وليس قوات من خارج المحافظة".

ويشير حديث الرجل الى قوات العسكرية السابقة لنظام صالح التي كانت متواجدة في ابين وتواطئت مع القاعدة وسلمته مدينتي زنجبار وجعار عام 2011.

ولم يخفي السيد تحركات القاعدة المحدودة في بعض اجزاء المحافظة قائلا "هناك مجموعات بسيطة مازالت تتوارى عن الانظار في بعض الجبال بالقرب من مناطق مودية والمحفد ومجموعات اخرى تحاول تسلل اليها من محافظة البيضاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين".

لكنه شدد على أن تلك العناصر غير قادرة على فعل اي اعمال عسكرية "سنكون لهم بالمرصاد.. حملاتنا لملاحقتهم لا تتوقف في الاودية والجبال واخيرا فرضنا سيطرتنا على اهم المواقع الذي يتخذها التنظيم معسكرا للتدريب في المحفد".

وفي الشهر الماضي سيطرت قوات الحزام الأمني على وادي عومران الذي بدأت عناصر مسلحة للقاعدة تتمركز به لكن الهجوم المباغث لقوات عبداللطيف وبدعم من طيران التحالف العربي افشل المخخطات المخفية.

يأمل عبداللطيف السيد البالغ 40 عاما في إستكمال ترقيم قواته بالإضافة الى تقديم مختلف التجهيزات الحربية المطلوبة المساندة لقواته ومهامها المطلوبة.

وقال "هذه قواتنا.. قوة وطنية رسمية منضبطة وصلبة. إنها حلم تحقق بفضل من الله والاشقاء في دولة الامارات التي تقدم لنا العون الكثير.. لا زالنا في بداية الطريق وحتما سنصل في النهاية الى حفظ أمن واستقرار أبين وجميع مدن الجنوب".

ومع بسط الأمن على كامل ارجاء مناطق أبين يأمل أهالي وسكان أبين بان تعود بهم الاوضاع الى ذلك العصر الذهبي قبل عقود حيث كانت أبين حضن وقبلة الزائرين من داخل وخارج البلاد غير ان هذا البسط والسيطرة الامنية لن يضع نهاية لمخاوف أفول الجماعات المتطرفة وتهديداتها من دون اعمار وتنمية ما خلفته الحروب في المجتمع الأبيني الى جانب توفير مختلف الخدمات العامة.