الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



ثقافة وأدب

الإثنين - 13 مايو 2019 - الساعة 12:45 ص

كتب / محمد كليب احمد

كلما فكرت باستقطاع إجازة فكرية أو الانسحاب من ضغوط الحياة اليومية والعملية ، لتجديد النشاط وكسر الروتين اليومي الذي يحاصرني ، لا أجد متجهاً أ بقعة تمنحني ذلك الفيض الزاخر من الطاقة الإيجابية السحرية أفضل من مدينة السحر والجمال ، حاضنة الثقافات والفنون ، عاشقة السلام والاستقرار .. "سعاد" هي أرض السعادة ، المدينة الغـَنـّاء التي تـُشعرك أنك بين أهلك وذويك ، شوارعها تبتسم لك ترحاباً ، أناسها المسالمون المثقفون يشدونك شدّاً بأحاديثهم الراقية التي يرافقها بسمة المحـيـّـا كسِمةً إنسانية متلاصقة بصفات كرمهم وشهامتهم المشهورة .

وكم كانت سعادتي عندما تلقيت دعوة كريمة من لجنة (مهرجان الوفاء) والمشرفة على مشروع النصب التذكاري وساحة شهداء حضرموت بمنطقة ( فوّة ) بالمكلا للمشاركة في لجنة التحكيم لمسابقة الفنون التشكيلية التي تم الإعلان عنها وتنظيمها ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الثالثة لتحرير مدينة المكلا ومدن الساحل الحضرمي في 24 أبريل 2019م .

حينها لم تتسع الأرض لي باحثاً عن أجنحة للطيران إلى مدينة السلام والثقافة .. لكم كانت الوسيلة الوحيدة للنقل هي حافلات الراحة وذلك بعد توقف رحلات الطيران إليها نتيجة لظروف الحرب اللعينة التي تحاصر كافة مدن الوطن الجريح ..

المهندس الخلوق هشام بن يحيى الذي غمرنا بكرمه وضيافته كان في استقبالنا بابتسامته العريضة التي لا تفارق وجنتاه مرحـِّباً بقدومنا ، وكأنه قد تحمـّل مهمة التعبير عن أبناء هذه المدينة العريقة بقيمهم العظيمة والمغروسة في أخلاقياتهم الرفيعة التي يتميزون بها منذ الأزل ..

رافقتني في هذه الرحلة ابنتي الكبرى (يسرى) التي تزور المكلا لأول مرة ، والتي لفتَ انتباهها – بشكل واضح – السمة الحضارية لهذه المدينة ، ذلك الانطباع الذي ترك أثره واضحاً لدينا ولم تبرح أفكارنا ظاهرة السلم الذي يعم كل أحياء ونواحي المكلا .. فلم نرَ أو نلحظ أي جندي أو عسكري أو سلاح أو عربة عسكرية أو أي من تلك المظاهر التي تعج بها مدينة عدن ، والتي أصبحت مصدر قلق وإزعاج للجميع ..

وكان لزيارتنا لكلية البنات أثر كبير في نفسية رفيقتي الشابة التي كانت تتلهف لكل جزئية في هذه الكلية بحديقتها وأشجارها المرتبة ونظافتها وعطائها التربوي الذي تفتقد له العديد من الكليات ، حيث استضافنا هناك استضافنا هناك الأستاذ القدير والفنان التشكيلي المخضرم سالم وبران الذي فتح لنا بوابة قسم الفنون التشكيلية ليبهرنا بإبداعات الطالبات هناك في هذا المجال الفني ..

حقيقة .. لم نصدق ما رأينا ، إبداعات لا نهاية لها من خط ورسم وتطريز ونحت ومختلف أنواع الفنون بقدرات فنية خيالية تفوق الوصف ..

وفي اليوم المقرر للقاء اللجنة الفنية لفرز واختيار الأعمال المشاركة في المسابقة في مكتب الثقافة بالمكلا ، كان هناك نخبة فنية من خيرة الفنانين في حضرموت لهذه المهمة الصعبة ، بما فيهم الدكتور الفنان محمد حسين بن الشيخ ابوبكر والفنان المبدع أكرم باقحيزل ، إضافة إلى المهندس الفنان هشام بن يحيى واستأذنا سالم وبران وبإشراف الأستاذ عبد الله السييلي من مكتب الثقافة بالمكلا ..

ولم تسعفني الظروف للمكوث أكثر في رحاب هذه المدينة الساحرة ، فقد كان لزاماً العودة .. ولكن أعظم ما تركته هذه الزيارة الخاطفة هو الهدوء الساحر وسمة السلام والرقي الأخلاقي والثقافي الذي نتمنى أن يكون عنواناً نفخر به أيضاً في مدينة عدن التي تتشابه إلى درجة كبيرة بالمكلا ، بل وأن إمكانياتها تساعد إلى درجة كبيرة أن تكون نبراساً للثقافة وإحياء الرقي الأخلاقي الذي كانت تتمتع به عدن المحبة والسلام والإخاء والتعايش والحضارة الإنسانية .