الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



ثقافة وأدب

الثلاثاء - 14 مايو 2019 - الساعة 02:36 ص

د.علي صالح الخلاقي:

أهداني صديقي الباحث الدكتور محمد عبدالله بن هاوي باوزير كتابه الجديد، الذي صدر مؤخراً بعنوان " الاغتراب والانتماء في شعر المهاجر الحضرمي"، وقد قضيت وقتاً ممتعاً أتنقل بين صفحاته، واستمتع بما تضمنه من أشعار المهاجرين الحضارمة، فالكتاب كما يتضح من عنوانه جمع بين الدراسة والتوثيق عن الهجرات الحضرمية وانعكاساتها في أشعار المهاجرين في مختلف أصقاع الأرض.
اشتمل الكتاب على ثلاثة فصول ، الأول بعنوان "الشعر الشعبي الحضرمي في المهجر وسيلة للتواصل مع الوطن الأم"، وقدم فيه لمحات عن هجرات الحضارم عبر التاريخ، وحول دور الشعبي كوسيلة للتواصل بين المهاجرين ووطنهم وكذا دور الصحافة الحضرمية كمنبر إعلامي يقدم شعراء الوطن والمهجر.
أما الفصل الثاني فخصصه لسفراء الشعر الشعبي الحضرمي وشيوخه المهاجرين ونماذج من أشعارهم، في كل من الهند، وجزر الهند الشرقية، وفي المهجر الأفريقي، والمهجر العربي المجاور (المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي).
ومن شعراء المهجر الهندي يقدم لنا الشاعر صلاح بن أحمد الأحمدي القعيطي صاحب أشهر قصيدة بعث بها من مهجره وهو في التسعين من العمر يحذر من مخاطر ابرام معاهدات الاستشارة مع الانجليز من قبل السلطنتين القعيطية والكثيرية وفيها يستثير حمية القبائل الحضرمية التي يذكرها ويسألها عن مواقفها مما يدور، وقد تناقلها الناس وحفظوها عن ظهر قلب لما حملت من مشاعر معجونة بحب الوطن والغيرة عليه من التواجد الأجنبي الذي عبر عن رفضه المطلق له، يقول فيها:
أخبار بلغت ما تسر القلب من أرض النجود

راحت جهة لحقاف لحمة فاس سرحت بالبرود

راحت مع الصاحب بلا قيمة ولا سلم نقود

آهٍ على الأوطان يا غبني على مثوى الجدود

كم صحت كم ناديت كم بيَّنت من قبل الوجود

لكنني معذور واحد عود ما منه وقود

ومعروف أن هذه القصيدة قد هزّت حضرموت وهو الأمر الذي دعى المستشار البريطاني " انجرامس " واعوانه للرد عليها ومعارضتها بقصيدة لشاعر مجهول.
ومن شعراء المهجر الهندي يذكر المؤلف يحيى عمر اليافعي (أبو معجب) باعتباره عاش جزءاً من حياته في حضرموت ومنها كانت هجرته إلى الهند، ويقول عنه :"إن الأشخاص أحياناً ينتمون لعدة أماكن، فيحيى عمر يافعي الأصل،حضرمي النشأة والانطلاقة الفنية والشعرية، كذلك لا ننسى إقامته الطويلة بالهند ، حتى وفاته وتأثره بالثقافة الهندية".
كما نتعرف على شيخ الشعراء في الجزر الاندنوسية محمد بن عامر بن طالب، ونماذج متعددة من أشعاره التي جسد فيها أواصر الارتباط المتين بوطنه الأم رغم غيابه الطويل في المهجر لكنه كان متابعاً لما يحدث فيه ورافضاً للوجود الأجنبي ومتفاعلاً مع قضايا وطنه العربي الكبير وخاصة قضية فلسطين.
ومن شعراء المهجر الأفريقي الشاعر خميس سالم الكندي الذي أطلق عليه عميد سفراء الشعر الشعبي الحضرمي في المهجر، وقدم شذرات من سيرته وهجرته إلى الحبشة والصومال والعديد من قصائده التي تقطر شوقاً للوطن منذ لحظات مغادرته، يقول في قصيدة أرسلها للسلطان علي بن صلاح القعيطي:
البارحة هاجسي شوَّق
بحره من الشعر يتدفق

على فراق الوطن علّق
وامسى يرفرف بصوت الدان

وفي قصيدة أخرى يصف حال المهاجر الحضرمي الذي لم يجد الاستقرار في بلده فأخذ يبحث عنه في بلاد الدنيا:
والحضرمي مسكين حتى في بلاده ما استقر

من آسيا لا افريقيا عدَّت حياته في خطر

دايم وهو حامل جوازه والحقيبه للسفر

إلى الكويت أو السعودية وإمّا لا قطر

من حين ما يسرح وهو تعبان قاتله السهر

وقد احتلت أشعار الكندي حيزاً في الكتاب لم يبلغها غيره من الشعراء، وتعرض فيها للحنين والشوق للوطن وللأوضاع السياسية في حضرموت وحركة بن عبيدات وغيرها ونماذج من اشعار الغزلية ومساجلات الدان مع مستور حمادي وحداد الكاف وعمر بن شيخ.
ومن شعراء المهجر الأفريقي نتعرف على الشاعر سليم سالم بن كوير في المهجر الصومالي ، والشاعر عبود علي بامعرفة في أوغندا، والشاعرسالم عبود بانبوع في جزيرة زنجبار.
أما الشعراء الحضارم في المهجر العربي المجاور، أي في السعودية ودول الخليج العربي، فيأتي على رأسهم الشاعر محمد أحمد بن هاوي باوزير (الكويت) الذي يأتي في المرتبة الثانية من حيث عدد اشعاره في الكتاب بعد خميس سالم الكندي، وهو كغيره من شعراء المهجر مسكون بهموم وشجون الوطن الحضرمي خاصة والجنوب العربي بل والعالم العربي عامة، ومن قصائده (كل الشعوب استقلت باقي إلا الجنوب) و(يا الحضرمي دوب وقتك في السفر تعبان) وهي أطول قصيدة في الكتاب وتشغل ست صفحات ونصف وصَوَّر فيها معاناة الحضارم في الوطن والمهجر.
ومن شعراء المهجر الشاعر الغنائي أحمد سالم البيض (الكويت) الذي تميز شعره بحنينه وشوقه لوطنه ومسقط رأسه غيل باوزير (يا مسقط الرأس فيك العز والحب دام)، و(يا رايحين الوطن زدتم بقلبي لهيب الشوق لي في وطاني). ومن الشعراء الآخرين أحمد محمد باحشوان (أبو باشا) المغترب في السعودية، وسالم البقص بن يمين، وعيضة مبارك بودويله، والجويد سالم باقديم، وصالح عيسى التميمي، وعلي سعيد بايوني، ومهدي علي بن سرور.
اعتمد المؤلف بدرجة رئيسية على ما نشرته صحيفة (الطليعة) الحضرمية، دون غيرها من الصحف الحضرمية كالرائد والرأي العام، وكذلك أشرطة الكاسيت التي أخذ عنها بعض الشعار، فضلا عما استمده من مؤلفه (بوسراجين..شيخ المدارة) ومراجع أخرى..
وأهمس في أذن صديقي الباحث التنبه في الطبعة القادمة لبعض الهفوات البسيطة كنسيان بعض كلمات في الأبيات الشعرية، ربما اثناء الطباعة، مما أخل بالوزن، كما لا أدري كيف لم يتنبه لقصيد أوردها مرتين وهي لعمِّه الشاعر (بوسراجين)، الأولى أخذها عن تسجيل بصوت الشاعر وعنونها بـ"رسالة بوسراجين من الكويت روضة النعم إلى الطلية بالمكلا" ( انظر:ص182-184) والثانية نقلاً عن صحيفة الطلية 16ديسمبر1965م بعنوان "وكل من رضي بالهون..ويبغى المعزَّة ما بظني يناله" لشاعر من الكويت باسم (م.أ.ب) وهي تشيد باندلاع الثورة من ردفان وبالزعيم عبدالناصر، والاسم هو الأحرف الأولى للشاعر بوسراجين (انظر: ص208-210)، ويبدو في النصين بعض الاختلاف البسيط والأخطاء المطبعة في الكلمات ، مثال:(نهار الخشر، نصار الحشر، والصحيح نهار الحشر)، و(هم جربوا الدنيا، وهم خربوا الدنيا) والأولى هي الصحيح.. وقس على ذلك الكثير مما يتطلب مراجعة وتدقيق في أية طبعة قادمة. وهذا لا يقلل من الجهد الكبير الذي بذله المؤلف مشكورا في إخراج هذا العمل ولملم فيه اشتات نتاجات الشعراء الحضارم في مهاجرهم المختلفة فقدم بذلك خدمة لا غنى عنها للمهتمين والباحثين في التراث الشعبي وفي أدب المهجر الحضرمي خاصة.
فتحية لصديقي الباحث د.بن هاوي على هذا الإصدار الذي يضاف إلى رصيد اصداراته السابقة: "مدينة العرفان غيل باوزير"، و "بوسراجين..شيخ المدارة" و" كراسات في تاريخ حضرموت وتراثها".