الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



خبر في صورة

الأحد - 30 يونيو 2019 - الساعة 01:53 ص

د.سعيد الجريري

هذا الرجل لم يحمل شعاراً في يافطة، لكنه كان رافعاً بطاقة هويته الشخصية القديمة، وتضاريس وجهه الذي أنهكته عاديات السياسة، في قلب التظاهرة الشعبية في مدينة (عتَق) الداعمة للنخبة الشبوانية، التي دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، مختزلاً - الرجلَ - بذلك خطاب التظاهرات وبروتوكولات طاولات الحوار والمفاوضات بأنه يريد دولة كان يعيش في كنفها مواطناً له هوية شخصية، لم تلغها بطاقة رسمية أخرى في جيبه لا يستخدمها إلا للمعاملات الرسمية مكرَهاً، مؤقتاً، تماماً كأولئك المحتلة بلدانهم.

تذكرت، فوراً، كتاب "الهويات القاتلة" للفرنسي اللبناني أمين معلوف، ولاسيما ذلك المثال الذي ساقه من سراييفو عن رجل خمسيني في مطلع 1980 إذ لو طلب إليه تحديد هويته، لأجاب فخوراً ودون تحفظ:"أنا يوغسلافي!"، ولو تحدد السؤال، لأوضح أنه يعيش في جمهورية البوسنة والهرسك الفيدرالية، وبأنه ينتمي عرضاً إلى عائلة مسلمة.
ولو التقينا الرجل نفسه، بعد اثني عشر عاماً، حين كانت الحرب على أشدها، لأجاب عفوياً وبعزم لا يلين: "أنا مسلم"، ولعله قد أرسل لحيته تطبيقاً للشريعة الإسلامية، ولأضاف على الفور أنه "بوسني"، ولما استساغ مطلقاً أن يذكّرَه سائلُه باعتزازه السابق بجنسيته اليوغسلافية.
أما اليوم، لو سُئل هذا الرجل في الشارع عن هويته، فلا بد أنه سيجيب بأنه "بوسني" أولاً، ثم "مسلم"، ويوضح أنه كان ذاهباً إلى الجامع، ولمنه سوف يؤكد أن بلاده تنتمي ألى أوروبا، وأنه يأمل انضمامها يوماً ما إلى الاتحاد الأوروبي(...) لقد سمع هذا الرجل، خلال حياته، شتى الخرافات، فقيل له إنه "بروليتاري" فقط لا غير ، وإنه "يوغسلافي" فحسب، وفي الآونة الأخيرة، إنه مسلم وكفى، بل ربما حمله بعضهم على الاعتقاد، في أثناء الأشهر العصيبة، بأنه يملك قواسم مشتركة مع سكان كابُول أكثر من سكان ترييستا".