قضايا

الإثنين - 05 أغسطس 2019 - الساعة 08:58 م

كتب/ كيان شجون

((عندما اكبر اريد ان أصبح استاذ ولن أجعل أطفالي يمرون بما أمر به الان فسوف اكرس جل وقتي لإسعادهم ولأجل ان يعيشوا طفولتهم ولن ادعهم يعملون)) .. كلمات عبر بها الطفل موسى عبدالله من معاناته بعد اضطراره الى العمل وهو لا يزال طفلا.

في بيت صغير في قمة جبل شعب العيدروس في مديرية صيرة (كريتر) بعدن يقطن الطفل موسى عبدالله ، مع امه وإخوته الستة واولاد اختيه ، يبلغ موسى من العمر اربعة عشر عاما ، ويدرس في الصف الخامس الابتدائي.

يعود موسى من المدرسة الساعة الرابعة والنصف عصرا ودون ان يلتقط انفاسه من مشقة الطريق الى منزله يذهب مسرعا إلى العمل, يعيش موسى حياة صعبة فقد تحمل مسؤولية أسرته بالرغم من صغر سنة فهو العائل الوحيد للأسرة.

العمل في بسطة

يقول موسى والتعب يكسو ملامح وجهه : (( منذ حوالي ثلاث سنوات بدأت العمل في بيع الإسفنج والليف من اجل توفير مصدر دخل لأسرتي وبعدها بسنة اشتغلت مع العم حسام في بسطة للشراشف “بطانيات” )).

مالك بسطة الشراشف كان سخيا جدا معي – يقول موسى- فقد كان يدفع لي مبلغ الدروس الخصوصية (المعلامة) كل شهر ويعطيني 800 ريال ( حوالي دولار ونصف ) أجر عملي في اليوم, ولكن بعدما تم إزالة البسطات توقف مالك البسطة عن العمل.

يكمل حديثه ويديه متشابكة : (( بعد توقفي عن العمل مع العم حسام عدت لبيع الإسفنج فهو المنجى الوحيد لي ولأسرتي من الجوع ولكني تعرضت لمضايقات كثيرة في السوق فكثير من الناس يستحقرونني ويهزؤون بي, الأمر الذي جعلني لا أريد الذهاب إلى السوق ولكن إذا بقيت في البيت من أين سنعيش ؟)) .يتساءل موسى.

اجر زهيد

ويضيف : قبل شهر من الآن انتقل جار جديد قريب من منزلي وعندما علم أني اعمل ببيع الإسفنج أخذني للعمل معه في بسطه للملابس, ويعطيني في اليوم 300 ريال يمني ( حوالي نصف دولار) ويومي الخميس والجمعة 500 ريال. ، يتابع : (( كما انه يسمح لي بالذهاب للمسجد لتعلم القران بعد المغرب ثم اعود لتكملة العمل معه بعد العشاء )).

يحاول موسى التوفيق بين دراسته وعمله ، بعد عودته من العمل الساعة 11 ليلا هو ورب العمل يبدأ بحفظ القران الكريم ويقاوم النعاس ويكمل مذاكرته ويكتب واجبات المدرسة بعينان شبه مغمضة.

انهى موسى حديثه بالقول : (( نظرا للعمل قصرت في دراستي قليلا فأصحبت احصل على المركز السابع بعد ان كنت اتحصل على المركز الاول )) ، صمت موسى لبرهة ونظر للأفق البعيد ثم قال : (( عندما اكبر لن أجعل أطفالي يمرون بما أمر به الان فسوف اكرس جل وقتي لإسعادهم ولأجل ان يعيشوا طفولتهم ولن ادعهم يعملون)).



فقر مدقع

تحدثت ام موسى الخالة زعفران حزام الينا بالقول : (( بعد طلاقي قبل سبع سنوات جئت انا واولادي إلى عدن وكان موسى في الصف الثاني الابتدائي الا ان المدرسة في عدن ادخلته من الصف الاول كوني لم اجلب معي شهادة المدرسة نتيجة رفض المدرسة في القرية اعطائي شهادات موسى المدرسية ولهذا السبب هو الان في الصف الخامس)).

بصوت حزين تقول ام موسى : (( زوجي لم يعطنا أي مصاريف لي ولأولادي فنحن نعيش على فاعلي الخير ألى ان كبر موسى قليلا فبدا يعمل لتوفير دخل يومي لنا , فيذهب الى المدرسة وبعد عودته لا يتناول الغذاء فقد يغير ملابسه ويعود مسرعا الى السوق إلى ان يعود في المساء يتناول العشاء ويذاكر دروسه وينام)).

تكمل حديثها وقد اوشكت على البكاء : (( قلبي يعصرني ألما وانا أرى ابني الصغير كل يوم وقد ارهقه التعب من العمل والجهد لكن ما باليد حيلة, وما يزيد وجعي اني اسمع انينه كل يوم وانا لا استطيع فعل شيء له)).

بدائل للتعليم ولكن

وتضيف: (( ابني الذي يكبر من موسى قليلا يقوم احيانا بمساعدته للتخفيف عن اخيه ولكنه الان توقف عن الذهاب للسوق وبيع الاسفنج ونادرا ما يعمل بالحمالة , فالمسؤولية الكبيرة تقع على عاتق موسى فاذا توقف عن العمل فسوف نموت جوعا)).

تتابع والدة موسى : ” قامت جارتنا بمساعدة موسى حيث انها تعطيه دروس خصوصية دون ان تأخذ المال نظرا للظروف الصعبة التي نمر بها. حيث طلبت من موسى ان يذهب اليها كل صباح ليتعلم الى الظهيرة ثم يعود للمنزل ويذهب للمدرسة”.

حال موسى واسرته كحال كثير من الاسر في عدن التي حرمت أطفالها من طفولتهم نتيجة الفقر والاوضاع الصعبة التي يعيشونها, موسى صورة تتكرر كل يوم أمامنا وبصور مختلفة , فمن يحمي هؤلاء الاطفال ويعيد لهم طفولتهم .


مليون وستمئة الف طفل عامل

منى سالم مديرة وحدة مكافحة عمل الأطفال بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قالت لنا أنه لا توجد غير احصائية واحدة رسمية وهي ان هناك مليون وستمائة واربعة عشر الف طفل عامل على مستوى اليمن حيث ان هذه الإحصائية كانت من خلال مسح نفذ عام 2010م وظهرت نتائجه عام 2013م.


تكثيف البرامج التوعوية

تضيف المسؤولة في وزارة الشؤون الاجتماعية منى سالم : اهم أسباب ظاهرة عمالة الأطفال هي الفقر والمشاكل التعليمية بالإضافة إلى تدني مستوى الوعي والمشاكل الاجتماعية ، وهناك عوامل ساعدت في تفاقم هذه الظاهرة منها البحث عن مهنة للحصول على دخل, وحب الأطفال للمساعدة في الاعمال خاصة العمل مع الاسرة.

وأوضحت أنه توجد حلول كثيرة للقضاء على ظاهرة عمالة الأطفال منها تطبيق القوانين والتشريعات الوطنية الخاصة بحماية الاطفال العاملين التي صادقت اليمن عليها أهمها الاتفاقيتين الصدارة من منظمة العمل الدولية وهما الاتفاقية رقم 138 الخاصة بالحد الأدنى لسن العمل و الاتفاقية رقم 182 الخاصة بالحظر على أسوا اشكال عمل الاطفال.

وتابعت حديثها : من المعالجات التي من الممكن ان تحد من هذه الظاهرة القضاء على الفقر , بالإضافة الى تكثيف برامج التوعية للحد من تفاقم هذه الظاهرة وايجاد المعالجات للمشاكل التعليمية منها التسرب الدراسي و العنف المدرسي.

وأشارت الى ان الدولة قامت بتنفيذ العديد من ورش العمل التوعوية بخطورة العمل المبكر الذي يتسبب في ترك الاطفال المدارس والخروج لسوق العمل .

واختتمت حديثها بالقول ان عمل الاطفال وتركهم للدراسة سوف ينتج عنها الارتداد للامية ولن نجد في المستقبل القريب جيل متسلح بالعلم .


أضرار اجتماعية ونفسية

أوضحت سميحة غنيم الاخصائية النفسية ان عمالة الاطفال تعرض الطفل لأضرار اجتماعية ونفسية وأهمها تعرضهم للاستغلال بكافة انواعه بالإضافة انها تجعل الطفل يعاني من اضطرابات سلوكية وعدوانية

واضافت : يتحمل مسؤولية عمالة الاطفال الاسرة والمجتمع لان الاطفال امانة في اعناقنا ويجب إعطائهم كافة حقوقهم وان نجعلهم يعيشون طفولتهم لا أن يكبروا ويتحملوا مسؤولية أسرة قبل أوانهم .

وفي ختام حديثها قالت : يمكن معالجة الاطفال الذين يعملون بدمجهم بالمساحات الصديقة وممارسة انشطة الدعم النفسي وبرامج اعادة التعليم للمتسربين علاوة على ذلك توفير العمل أو دخل شهري للأسر الفقيرة.
* نقلا عن صوت انسان