الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


09 فبراير, 2018 03:35:57 م

كُتب بواسطة : عبدالجبار ثابت الشهابي - ارشيف الكاتب


يبدو أن بعض المحسوبين على التربية والتعليم؛ من المدرسين، وخصوصا في مرحلة الأساسي؛ أصبحوا غير مدركين على نحو صحيح وسليم لحقيقة رسالة: التربية كعنصر، وكقاعدة أساسية لتشكيل الشخصية المستهدفة، وهو الطفل الدارس في هذه المرحلة، والتعليم كهدف، أو كرسالة ينبني، او تنبني على سابقها، فلا يسبقها، أو يتقدم عليها، أو يكون بديلا منها، أو يلغيها (أقصد التعليم)، ذلك أن الثاني(اي التعليم) إنما جاء تتويجا ومنطلقا في آن معا لموجود، وأن وجود الأول(التربية) هو من استدعى وجود الآخر؛ باعتبار أهمية الأساس، لا المتولد عنه.
ولذلك، وبسبب هذا الخلط في التقديم والتأخير، أو الإضطراب في الفهم، وبالتالي التعامل مع الطفل، وعلى نحو عشوائي، نجد النتائج كمعطياتها، هدما لنفسيات الطفل، وكبحا لمواهبه الواعدة، وبما يؤدي بالتالي إلى حرمان الوطن، والمجتمع، والأمة من طاقة، وموهبة كان بالاستطاعة أن تصبح غدا ثروة، وقدرة، وركيزة لقفزات خلاقة في مسيرة التنمية الشاملة، وعلى مختلف الصعد، والمجالات، ومصدر اعتزاز وفخر لهذا الشعب، وخصوصا لهذا المدرس الذي نجده عندنا يقتل هذه البذرة الطيبة دون أن يعلم أنه قد ارتكب جرما فظيعا، لأنه في الواقع لم يع أولويات مهنته، فنجده قد أساء، وخرب، وهدم، وهو لا يعلم ماذا يفعل؟ وأي جرم يرتكب، ليس بحق هذا الطفل الموهوب فحسب، ولكن بحق وطنه وشعبه، وأمته، وبحق المستقبل؟
وفي هذا السياق، والشيء بالشيء يذكر، يروى أن العبقري العالمي توماس أديسون قد عاد ذات يوم من أيام طفولته، وهو في مرحلة الأساس ..عاد إلى أمه مفصولا من المدرسة، مع رسالة وجهت لأمه من مربيته في الفصل..يومها قالت له المربية: خذ هذه الرسالة لأمك، ولا تعد للمدرسة مرة أخرى.
عاد الطفل أديسون اإلى أمه، وسلمها الرسالة، ثم سألها ببراءة الطفل: ما الذي قالته المربية في رسالتها؟! فقالت له الأم، وهي تمسح على رأسه، وتبتسم: قالت انك عبقري، وأني ينبغي على الاهتمام بك، وتعليمك شخصيا!!
ومرت السنون، وماتت الأم، وقد صار أديسون عالما، مخترعا، يشار إليه بالبنان، وذات يوم وهو يفتش بعض أغراض أمه الغالية، ويتذكرها؛ وجد تلك الرسالة، التي طوتها الأم يومها كأي شيء غير مهم، ولفها النسيان.. وعندما فتحها، وجد فيها ما معناه: ان ولدك غير قادر على مواصلة الدراسة بسبب غبائه.. بكى أديسون لحظتها، ثم كتب لاحقا في مذكراته: أنا أديسون الغبي، الذي صنعته أمه عبقريا!!
وعودة إلى موضوعنا، فمدرسنا هذا- وليس كل مدرس طبعا- نجده في صورة أخرى للهدم؛ يتعامل لضعف وقصر نظره، ولفقره، وحاجته المادية، وعدم حصوله على مستوى معيشي معقول، وانشغاله ربما بمهن غير لائقة به كأب للجيل، يتعامل بمقدار عناية هذا الطالب وأسرته بأسرته هو، وبمقدار قدرة اسرة هذا الطالب على تقديم العطايا والهدايا، أو قدرة هذه الأسرة على الإسهام في النشاطات اللاصفية، وغيره مما يدر عليه هو بعض الدخل المستور، وعن طريق العلاقات الاجتماعية، فهو لذلك قد يحرم خيرة طلابه، وحتى في اللحظات الأخيرة قبل تسليم النتائج من المواقع التي يستحقونها؛ ليصعد من هو أكثر عطاء، وثراء، أو زبونه في السلعة التي يبيعها، ولو كان أقل مستوى في تحصيله الدراسي، ثم يمكن (بكاف مشددة) هذا وذاك من هذه النماذج، ويقصي المستحق، ويمنعه من حقه، وربما اجلسه في موقع بعيد عن عناية المدرسين؛ فيقتل العزيمه في قلب هذا، والموهبة في دماغ ذاك، ويحول كل طلابه إلى طلاب شهادات، ومستهترين، ولامبالين، فيكمل الطالب دراسته على هذا الأساس، ثم يذهب إلى الجامعة، ويقع على قفاه، لأن مجمل ما بناه كان مجرد بناء على رمال، في صحراء، وعلى خواء، فلا يؤهله ذلك إلا للفشل الذريع، او لمستوى بائس، ومستقبل مجدب يابس، لا يؤكل أهلا، ولا يبني أسرة، فضلا عن أن هذا الآدمي ينشأ اتكاليا، عليلا، لا يجيد سوى الشكوى، ولا تحصد بلاده منه سوى البلوى.
وبالمناسبة؛ يذكر البعض أن اليابانيين، ومع ما انتجوا، وابتكروا؛ ومع ان أرضهم فقيرة الثروات، بجزرها المجدبة المنبسطة على جسد المحيط؛ ومع أنهم يقرون بأن الشعب الياباني ليس بذاك القدر الكبير من الذكاء، إلا أنهم صاروا في مقدمة الشعوب الذكية، والبلدان المتطورة، والغنية، ويعلل العارفون بالمجتمع الياباني ذلك بأن اليابانيين إذا وجدوا في الصفوف الأولى طفلا ذكيا؛ فإنهم لا يتركونه بين عامة الطلبة، ولكنهم يأخذونه إلى فصل خاص بالأذكياء، فينمو الطفل مع أقرانه من النوابغ الواعدة؛ مع قدر من التحفيز والعناية: مبدعا، نافعا، فإذا تخرج من الجامعة لم تنقطع صلته عن البحث والتعلم، بل يتم توظيفه في تخصصه، وعلى رأس فريق من أصحاب المستويات الأدنى، فتشتعل جذوة الإبداع والمنافسة بين الفريق برئاسته، وتتحق النتائج المذهلة التي وضعت اليابان في مقدمة البلدان المتقدمة، والاقتصاديات العظمى.
وبالمختصر؛ هذا هو حالنا، وذلك حالهم، فهل ترانا نتعلم من أخطائنا، ونضع الإنسان المناسب في موقعه المناسب، أم أن حظنا سيظل على الدوام كذبا على الذقون، ودعاوى بلا دليل، وأعمارا بلا عمران!!