كتابات وآراء


من الضروري الفصل بين واجبات الحكم وممارسة النشاط التجاري، فقد سار عليها الخليفة الاول للمسلمين ابو بكر رضي الله عنه، وابى الخليفة عمر رضي الله عنه ان يسمح لابنه عبد الله ان يعمل بالتجارة خوفاً من الشبهة، وقال امير المؤمنين علي كرم الله وجهه ان التجارة والامارة لا يجتمعان، كما ان ابن خلدون رفض ان يقوم السلطان بمزاحمة المواطنين في تجارتهم، لانه امر مسيئ للوطن والمواطنين، لان صاحب السلطة الاولى لا يستطيع ان يكون محايداً، ولا يستطيع ان يقف على نفس المسافة من باقي المواطنين،عندما يغتصب اموال الشعب ويبدأ بعطاياه ومكرماته لهذا وذاك من دون وجه حق، وعندما يترك لموظفيه والعاملين في حاشيته ان تغتصب المال العام، ولن يكون منصفاً اذا جمع الامارة والتجارة، فان الشبهة حاضرة لن تتبدد في اذهان الناس، فيفقد النظام هيبته، ولا يستطيع ان يكون قادراً على ادارة شؤون البلاد والعباد.

لقد انهارالنظام في كل من تونس واليمن وليبيا بسبب من سلوكهما في نهب المال العام، ومارسا الطغيان والظلم، وتقزيم القضاء، واخضاع الاعلام، وتغولا على السلطات التشريعية الشكلية، فانهار النظام بأكمله، لان الشعوب قد اهينت كرامتها، ونهبت ثرواتها للحد الذي اصبحت فيه الحياة لا تطاق، كما ابتعدت الناس عن الحكم، و تركته عارياً من اي غطاء يحاول ان يتدثر به.

لا شك ان للفساد أشكال متنوعة، وهي حلقات مترابطة في سلسلة طويلة يغذي كل منها الآخر، واختلاط الامارة بالتجارة لها تداعيات خطيرة، تؤشر على الفساد في الحكم، وعدم الالتفات لمصالح الرعية، الى جانب ان اصحاب المال السياسي الذين يجمعون بين الثروة والسلطة، يعمدون لتسيير السلطة لخدمة مصالحهم، والتي تتنافى مع مصالح المواطنين، وهو ما لاحظناه في المال السياسي الذي بات ينتشر في اوساط مجتمعنا، عندما يجد مثل هذا المال من يرعاه ويحتضنه، كما اصبح للفساد مؤسساته والمدافعين عنه.

ولان الحاكم قد تحول الى تاجر فانه سيكون الحضن الدافئ لاصحاب المال، الذين يلهثون وراء السلطة، حتى نصل الى ما حذر منه القرآن الكريم " واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" صدق الله العظيم، فكيف اذا اجتمع على الوطن مترفيه واكابر المجرمين من اللصوص والسماسرة، ممن استمرأوا التطاول على المال العام، فاصبح الفساد ينخر في جسد المجتمع بدون حسيب ولا رقيب، بسبب اولئك الفاسد ين من اصحاب السلطة .
الموضوعية والشفافية لابد وان تكون اساس السلطة، والعدل هو اساس الحكم، فقد بات المجتمع ينوء بالفقر والجوع، واختفت الطبقة الوسطى، وانحصر المواطنون في السواد الاعظم منهم في الطبقة الفقيرة، وقلة من المواطنين في خانة الاغنياء، والكثير منهم تفوح رائحة الفساد مما يتمتعون به من ثروة، فسرقة المال العام باتت شطارة وفهلوة، ولم يعد صاحبها يخجل منها ولا من نفسه.