كتابات وآراء


03 نوفمبر, 2018 12:08:31 م

كُتب بواسطة : محمد الموس - ارشيف الكاتب


لا اذكر بالتحديد متى شاهدت اول مقطع فيديو لابنة منتصف العقد الثالث من العمر، سهيلة البناء، اليمنية التي تنتمي للحالمة تعز، كانت هي نجمة نقاش مع شباب وشابات من كوريا، حيث تدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية وتحلم بالعمل في المنظمات الدولية،

والحقيقة ان حضورها المتميز ولباقتها يعطيانها الحق ان تحلم باكثر من ذلك، دار في خاطري، ساعتها، كم لدينا من النطيحة والمتردية وما اكل السبع من اولائك الذين حصلوا على منح دراسية بالمحاباة لم نسمع عنهم الا ما لا يسر، وفي احسن الاحوال اخبار صرف مخصصاتهم المالية.

شاهدت بعد ذلك مقطع فيديو لسهيلة البناء على موقع العربية نت فدفعني الفضول للذهاب لليوتيوب لأجد لها كثير من المقاطع التي جعلت من هذه الشابة نجمة تعدى صوتها حدود كوريا واليمن.

في كتابه (العالم مسطح) يقول الصحفي الامريكي الشهير توماس فريدمان ان العالم مر بثلاثة انماط من العولمة، عولمة الاوطان (00,01) وعولمة الشركات (00,02) وعولمة الافراد (00,03).

تجلت عولمة الاوطان (00,01) خلال سنوات صراع القطبين اعقبتها الشركات العابرة للحدود متعددة الجنسيات (00,02) واصبحنا اليوم في زمن العولمة(00,03) بفعل وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت فرد في قرية نائية يمكن ان يعرف ناشط بيئي او مدافع عن حقوق الحيوان او حتى خبير طبخ او مغن او محترف رياضي او نجم (سوشل ميديا) ولا يعرف اسماء أعضاء حكومة بلده، وربما يعرف عن (البرشا والريال) ما لا يعرفه عن اندية بلده، ويهتم بالانتخابات في امريكا ولا يعرف من يحكم بلده، بجملة اخرى، اصبح الفرد يغزو العالم ويؤثر فيه ويتأثر به دون ان يغادر سرير نومه.

بفعل العولمة (00,03) يمكن للفرد ان يكون وسيلة للتعريف بوطن، فربما هناك من عرف اليمن من خلال سهيلة البناء، هذه الشابة التي دخلت الى العولمة من نافذة غير نافذة (المغنواتية) وما شابهها، حيث يكون الفرد اكثر شهرة من وطنه.

كثير منا يستخدم وسائل العصر التي تستخدمها سهيلة، لكننا نستخدمها للإساءة لبعضنا في الغالب، لا ندرك اننا نبين للخصوم نقاط ضعفنا، ولا ندرك ان سطوة هذه الوسائل يمكن ان تكون طريقنا لنوصل ما نريده لخارج حدودنا، ومن يخالفني الرأي فليرجع الى حوارات ابناء الجنوب على وجه الخصوص، بمن فيهم النخب.

اخر من استعار مني كتاب (العالم مسطح) كان صديق انتقل الى جوار ربه وهو ينتظر حلمه بوطن نموذجي، كنت اقول له، لن يأتي الوطن النموذجي الا بمواطنين نموذجيين يعرفون اهمية ان نكون في وطن نموذجي، مدينة نموذجية، شارع نموذجي، نحن فقدنا كثير من القيم والفضائل النبيلة التي تجعل اي منا نموذجيا، فقدنا فضيلة نجدة الملهوف ونصرة المظلوم، فقدنا فضيلة العطف على بعضنا، فقدنا فضيلة الغيرة على جمال مدينتنا وشواطئها ومتنفساتها، فقدنا فضيلة احقاق الحق واحترام القانون والعرف، اصبحنا مجرد هياكل بشرية، منا من يلتهم اي شيء، حلال كان ام حرام، ومنا من يقف يتفرج بصمت، فمن اين يأتي الوطن النموذجي يا صديقي (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

نحن لا نستخدم وسائل العصر لإحياء الفضائل التي فقدناها، ولا نستخدمها لتعريف العالم بنا لندخل بها الى المستقبل، واقع الحال اننا لا ندري هل سنكون في ذلكم المستقبل، هل سنكون في المتن او على الهامش؟، اغلب الظن اننا سنكون في الركن القصي من الهامش، لأننا لا نستخدم وسائل العصر للصعود وأنما نستخدمها لمزيد من الهبوط، وقد تصبح سهيلة البناء نموذجا (عولميا) يتيما.

عدن
3 نوفمبر 2018م