الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


19 ديسمبر, 2018 11:23:07 م

كُتب بواسطة : سالم الفراص - ارشيف الكاتب


صديقي من النوع المسالم جداً، يعشق الهدوء، ويتضايق من الصخب حتى ولو كان ضحكاً عالياً. الابتسامة هي خلاصة أبجديات وجوده واستمراره في الحياة، وهي الشيء الوحيد الذي لا يحتاج إلى مناسبة كي ترتسم على وجهه، فأينما ثقفته أو صاحبته أو تنقلت معه تظل ابتسامته مبتدأ وخاتمة كل صمت وحديث، نظرة والتفاتة، كل ترحيب ووداع.
صديقي الوحيد الذي لم اغنم صداقته بعد خصام أو عداوة كما هو ثابت في ذهننا منذ الولادة انه (ما محبة إلا بعد عداوة)، ولم يسبق تعارفنا نفور وعدم ارتياح كما اعتدنا أن نتتبع مبرراتها في شكل أو تصرف من نصادف في حياتنا.. ولم تحتج صداقتنا إلى صديق ثالث يقارب بيننا ويوطد علاقتنا ببعضنا، فقد كانت ابتسامته التي تخرج من جوفه وترتسم على محياه صافية شفافة خالية من أي تكلف أو افتعال، هي كل ما كنت احتاجه كي افوز وأتمسك به كصديق وأخ.
صديقي المبتسم بقدر ما كان صدق ابتسامته جسر توطيد العلاقة به، فقد كانت في ذات الوقت حالات غضبه وسخطه النادرة والمتباعدة هي من جعلت صحبته أكثر إغراء وجذباً ومحل اعتزاز.
فهو لا يحتاج إلى مبررات أو معطيات مسبقة كشرط ليعلن حنقه من حيف أو ظلم وقع على أحد، كما لا يمكن ان تحول معرفة أو قرابة لشخص ما تصدر منه إساءة بحق أحد أياً كان هذا الأحد، دون الجهر بعدم رضاه وحنقه ورفضه لما أقدم عليه وارتكبه من ذنب.
صديقي هذا بعد ان سهل له الله قبل ما يربو على خمسة عشر عاماً طريق الاغتراب إلى لندن، وحصوله على الجنسية وراتب شهري وسكن ورعاية صحية.. الخ.. غلبه مؤخراً الحنين إلى مدينته عدن فحزم حقائبه متجشماً وعثاء التنقل لأكثر من عاصمة آخرها سلطنة عمان لينتقل من هناك براً إلى عدن.
كنا في انتظاره مع بعض أولاد عمومته عند آخر محطة يتوقف فيها الباص.. انزلنا حقائبه القليلة وما ان أتممنا طقوس الترحيب والسلام حتى طلب منا أن نأخذه في جولة إلى شواطئ عدن قبل ان يتوجه الى منزل أسرته. استجبنا مستغربين لطلبه المتعجل هذا رغم علمنا بعشقه الباذخ للبحر.. بدأنا بساحل أبين الذي بدا غريباً عنه فلم يستطع ان يتعرف أو يستسيغ البقاء فيه، انتقلنا إلى صيرة وهناك أفزعه ضيق الطريق وروائح مخلفات الأسماك النفاذة وصعوبة الحركة فيه.. صرخ أخرجونا من هنا فلنذهب إلى شاطئ جولد مور. ترددنا أمام طلبه هذا بعد أن كان منه ما كان، إلاَّ اننا في الأخير استسلمنا ونزلنا عند طلبه، وما ان اجتزنا منطقة الفتح حتى دخلنا في طريق معبأ بالحواجز والمتاريس الرملية ونقاط التفتيش وما ان خرجنا من نفق التواهي حتى ظهر على منظر مكثف من الدشم والجدران الرملية وقبل ان نحط رحالنا في الفراغ المتبقي المؤدي إلى الساحل صاح مجدداً طالباً منا عدم التوقف والاستمرار في السير ومغادرة المكان. عدنا يخيم علينا الصمت والوجوم الذي قطعه قائلاً بصرامة: أوصلوني بأقرب مكتب لطيران اليمنية. كان وجهه قد خلا تماماً من أي أثر للابتسامة. توقفنا امام مكتب طيران اليمنية فنزل ونحن معه، ووسط اندهاشنا جميعاً رحنا نتابع حديثه مع موظف الحجز طالباً منه الحجز في أقرب رحلة إلى لندن، وبعد شد وجذب ورجاء وأمل كان أقرب حجز متوفر بعد عشرة أيام قبلها بتلهف، وانصرفنا نوصله إلى محل اقامته متجنبين إثارة أي نقاش أو تساؤل معه عن سبب حنقه وتعجل رحيله.