الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


20 يناير, 2019 02:48:23 م

كُتب بواسطة : د. نجيب ابراهيم - ارشيف الكاتب


مقدمة
ان المجتمعات التي عاشت و تعيش صراعات سياسية - عسكرية تتسم بالعنف الشديد الذي يحدث جراح غائرة في النسيج الاجتماعي تنعكس على الخارطة السياسية وقواها المتصارعة هذه المجتمعات في هكذا واقع هي احوج ما يكون الى التصالح والتسامح الذي يتوقف عليه السلم الاجتماعي برمته كقيمة اخلاقية وسياسية وثقافية..
وهنا لابد من الوقوف على ماهية التصالح والتسامح في خصوصية الحالة الجنوبية ؟
هل التصالح والتسامح فكرة أو مبادرة ، أم شعار..؟
هل هو توجه سياسي ، أم رؤية ، أم مبادئ وقواعد تشريعية وقانونية وحقوقية إنسانية.
أم هي خليط من كل ذلك..؟
ربما الواقع بكل تجلياته وخصائصه ومميزاته هو الذي يفرض طبيعة المعالجة ومساراتها ، من منظور سياسي واجتماعي وحقوقي يحتاج الى صياغات ذات عمق في قراءة المشكلات بخلفياتها وعوامل نشؤها وقواها المؤثرة الرئيسية وفي جزء كبير منها تلعب التوافقات دورا محوريا في التقارب لحل المشكلات والقضايا ذات الصلة بموضوع الخلافات والصراعات بكل ابعادها.


فإذا كانت التجارب تختلف من بلد لآخر وفق طبيعة المشكلات مثلا : في جنوب افريقيا كانت مشكلة التمييز العنصري والمعالجة بقانون العدالة الانتقالية المعتمدة على التصالح والتسامح بتشريع جبر الضرر في الخيارات المغلقة التي تعني التسامح والتصالح بالتنازل الطوعي عن الحق الشخصي بدون مقابل او جبر الضرر بتقدير التعويض المادي .
بهكذا قانون تم اغلاق بؤر ونوافذ الصراع والخلاف وبها تمت المصالحة والتسامح في المجتمع واي محاولة للثأر بعد ذلك على خلفيات الصراع القديم تجرم جنائيا وتصبح العقوبات رادعة واشد قسوة بنظر المؤسسات القضائية .

وفي نسخة المغرب تم احتواء الصراعات القديمة وتبعاتها ايضا من خلال مؤسسات المجتمع والمؤسسات الرسمية بتحديد طبيعة الضرر وجبره سياسيا واجتماعياً اولا ومن ثم جبر الضرر بالتعويض المادي .
تلك نماذج من حالات التوافق المؤسسي المجتمعي لحل مشكلة واثار الصراعات واغلاق الفجوة وتقليص الهوة بين فئات وشرائح المجتمع.

الشق الذي يحدثه الفعل والسلوك لا يلتئم بالمقالة والخطاب السياسي
في بلادنا جرت صراعات بين قوى مختلفة ومتباينة سياسيا ليس في المجتمع على وجه الخصوص ولكنها في اطر وتوجهات سياسية سواء كانت في السلطة والحكم او النظام او قوى تصارعت للاستحواذ على الارض للوصول الى الاعتراف بأحقيتها الجلوس الى طاولة التفاوض مع الاستعمار للوصول الى الاستقلال والسلطة والحكم .. هذه الصراعات تجاوزت الصراعات السياسية ذات النمط السلمي المعتمد على الديمقراطية في قوة الفعل والتأثير في القاعدة الواسعة جماهيريا لتصل الى الصدام المسلح وهذا النوع من الصراع الدموي له تبعات نفسية ثقيلة على المجتمع وتأخذ اثارها زمن اطول ومعالجتها اصعب واكثر تعقيداً..
هذه الخاصية هي التي علقت بها بلادنا واصبحت محل استغلال سياسي كأداة لشق الصف الجنوبي كلما ظهرت بوادر التعافي في نسيجه الاجتماعي والسياسي.

اذن: التصالح والتسامح له مسار بدأ بنواة بذرة المبادرة المزدوجة لشخوص وإطار منظم هو جمعية ردفان الخيرية هذه الفكرة - المبادرة تم التقاطها سريعا لإن الجميع كان ينتظر نقطة ضوء في نفق مظلم وكانت هذه هي نقطة الضوء التي تحولت الى رؤية عمل عليها الجميع والرؤية تحولت الى مطلب شعبي ضاغط ساعد على تبني القوى السياسية و مكونات ومنظمات وجمعيات واحزاب سياسية ذات منشأ جنوبي.

هذه الإنفراجة ما فتأت ان تحولت الى نقطة جذب يعمل عليها الجميع وتستجيب لها فئات وشرائح المجتمع الجنوبي الذي يعاني من حالة القهر والظلم والاستبداد هذه الا نفراجة جعلت التصالح والتسامح قاعدة قيمية اكسبت المكونات الجنوبية بعد سياسي في إدارة الصراع من اجل تحقيق التفاف شعبي باتجاه الهدف العام رفع سقفه السياسي ..
على اساس ذلك اكتسب النضال الجنوبي السلمي زخما جماهيريا واسع النطاق في عموم مناطق الجنوب .. كما شهد الجنوب اكثر من 14 مليونيه عدى الفعاليات التي شهدتها مناطق ومدن الجنوب الرئيسية ..
هذه الحركة الشعبية كانت اداة ضاغطة على المكونات الجنوبية والقوى السياسية للاحتفاظ بزخم التصالح والتسامح وتلاحم القوى في وحدة النشاط وان لم يكن وحدة الأداة تنظيميا لقيادة الثورة والمجتمع الجنوبي نحو تحقيق اهداف القضية الجنوبية بإطار قيادي وتنظيمي موحد.


التصالح والتسامح بين التوظيف والمراوحة السياسية
هنا لا اريد ان استرسل بالتناول التاريخي على وجه التحديد ولكنني سأتناول قضايا ومشكلات سياسية ومجتمعية ومؤسسية ترتبط بالتصالح والتسامح وامكانية الانتقال من الظاهرة التعبيرية الخطابية الإعلامية الى ملموسية التوافق والتقارب والتجاذب وتأصيل وجهات الحلول العملية في الانشطة السياسية الاجتماعية الممهدة للحلول الجذرية لخلفيات وتداعيات الصراعات القديمة التي كان لها اثر ولازال يفعل فعله في الواقع كلما اقتربنا رويد رويدا من الهدف الجنوبي حيث يظهر بقوة احياء وانعاش مظاهر تلك الحقب وعكسها في واقع الخلاف والتباين والسلوك بين القوى السياسية الجنوبية واكسابها طابعا مناطقياٍ من خلال تناول ضحايا تلك الصراعات وكأن الضرر كان قد وقع على منطقة بعينها دون سواها من مناطق الوطن بينما الاثار والمترتبات اصبحت هم وطني شامل النتائج والأثر والتبعات
ان واقع المرحلة تضع امام المجتمع الجنوبي بكل قواه السياسية والاجتماعية مهمة استعادة الدولة بغض النظر عن التباين في كيفية استعادة هذا الحق في تقرير المصير وطرق واساليب الكفاح لتحقيقه.
والتركيز على الهدف يصبح نقطة مركزية ، بل محورية في نشاط كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع التي تضع في توجهاتها مشروع الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة الكاملة وتحت هذا العنوان تعمل القوى النشطة في الساحة بشكل دقيق على ملامسة المشكلات المجتمعية التي تستدعي تعاونا جديا في خلق مناخات ملائمة للتقارب على طريق تحقيق التصالح والتسامح الطوعي .
لا يعني ذلك تنازلا او تراجع عن الحلول الجذرية التي لم تسهم الظروف في وضعها كأولوية امام القوى السياسية وغياب المؤسسات القانونية التشريعية والموارد المادية لجبر الضرر.. هنا تستوجب الظروف ابداع في التناول والتعامل مع وضع استثنائي ما قبل الدولة ومؤسساتها.
ان الهدف العام هو المظلة التي تجمع عليه كل القوى السياسية والشعبية وامام هذا الهدف يجب استغلال كل امكانية حقيقية للتصالح والتسامح وفق قدراتنا وامكانياتنا في المساهمة في معالجة بعض جوانب هذه المشكلات ، وبالتأكيد ليس كلها دفعة واحدة.
اولا التعرف على الواقع الذي نعيش فيه وهذا الواقع هو الحاوي والحاضن لكل جزئيات المشكلات والقضايا التصالحية والتسامح الذي تؤرقنا وتعيق افق وحدة النشاط والحفاظ على النسيج الاجتماعي الآمن واحداث روابط وعلاقات مجتمعية وسياسية ، ولا ضير ان ارتبطت ببعض المصالح التي لا تغفل الهوية او تتجاهلها وتبنى هذه العلاقات على قاعدة:
التعايش السياسي والاجتماعي تحت مظلة الهدف الجنوبي المشترك.
الجزء من الكل في العمل السياسي وعلى الجميع تقدير هذا الواقع السياسي.
الشراكة في الهم العام والتغلب على المشكلات والمعوقات التي تواجه الحراك السياسي والقضية الجنوبية.
تعزيز اللحمة من خلال التمسك بقاعدة الانتماء الوطني المنعكس في الهوية.
التحرك في النطاق الجغرافي الجنوبي وتسييج المجتمع بإشباعه ثقافيا وشحنه معنويا بروح التصالح والتسامح.
احترام التنوع السياسي والفكري والثقافي في إطار الهوية المجتمعية الجنوبية العامة.
تعزيز الوعي العام بالقضية الجنوبية والتصالح والتسامح في إطارها.
احترام الخيارات الفردية او الجماعية سياسية كانت او فكرية او ثقافية.
عدم المساومة او التغاضي عن النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية الجنوبية او احتكارها بنفوذ اقليمية او دولية.
التماسك والتلاحم من خلال وحدة النشاط لمواجهة المخاطر التي تتهدد الوطن وقوا السياسية.

ان هذه القواعد ان شئنا تسميتها بالقواعد او المحددات.. التي لا يجب ان توظف لغايات الوصاية واحتكار القيادة او المراوحة السياسية بين المصالحة الحقيقة والتجيير السياسي لخدمة مجموعات قيادية او مكون سياسي ما.
ان تلك المحددات إذا ما اتبعت وثبتت في توافقات سياسية واجتماعية سوف تحد من الاختلالات البنيوية في النسيج الاجتماعي وسوف تحد من تشعب المشكلات المثبطة للتصالح والتسامح الطوعي الشامل المؤجل للحلول الجذرية المفصلية في مستقبل الدولة الوطنية.
ان التصالح والتسامح قضية محورية وجزء من متطلبات وحدة الهدف والنشاط لتحقيق الهدف ولكن امام محورية التصالح والتسامح مخاطر جدية قائمة ومخاطر جدية محتملة .

ماهي أبرز المخاطر..؟
إذا ما تركت الخلافات والتباينات بين القوى السياسية تتفاقم وتجاهل تجاوز حدودها الطبيعية.
إذا ما وجد انحراف عن التوجه السياسي العام تجاه اهداف التصالح والتسامح كدافع قوي للقضية الجنوبية والحراك السياسي.
إذا ما غابت الرؤى عن ابعاد ومخاطر خلفيات الصراعات او تجاهلت اهمية الحلول السريعة لكل مظاهرها ونزعاتها وسرعة انتشارها و تغلغلها في المنحى السلوكي للمجتمع.
إذا ما تداخلت الفواصل بين المفاهيم حول الهدف وسبل ووسائل الوصول اليه من خلال تكتيكات القوى السياسية التي قد تفقد التوجه تحت مبرر امكانية الوصول الى الهدف بنفس المؤسسة التي اصبحت اداة تدير نشاط القوى الرافضة لفكرة الهدف من حيث المبدأ.
إذا ما تداخلت الاختصاصات وتضببت المسئوليات تجاه التصالح والتسامح كنقطة ارتكاز لوحدة انشاط السياسي من اجل بلوغ الهدف.
إذا ما تراخت القوى السياسية بمكوناتها ومنظمات المتجمع باختصاصاتها تجاه متطلبات التصالح والتسامح السياسي والمجتمعي.
إذا ما تغلغل الفساد في قيادات ومكونات القضية الجنوبية ومنظمات المجتمع المدني واصبحت رهينة الابتزاز من قبل اعداء القضية من جهة وفقدانها ثقة المجتمع بكل فئاته وشرائحه من جهة اخرى.

اذا ما غابت الضوابط للانتماءات السياسية وتفشت العصبيات المناطقية والقبلية والشللية والعشائرية والاسرية واختلت العلاقة العامة المجتمعية الضارة بالتصالح والتسامح.
 إذا ما انفلتت العلاقات السياسية وانحدر الخلاف والتباين بينها الى منطقة الخطر باستخدام وسائل اخرى غير سياسية أو الذهاب الى الصدامات المسلحة والعنف الغير مبرر .
إذا ما اصبح المجتمع والقوى السياسية عرضة للابتذال القيمي والتحلل الاخلاقي واصبح رهينة الرذيلة والانحطاط والمخدرات والاختراقات المختلفة من الداخل والخارج.
إذا ما انفلت الأمن وشلت اجهزة الثورة وفقدت حيادتيها تجاه القوى السياسية الجنوبية فان ذلك يعقد التوافق على اسس ومبادئ التصالح والتسامح.

اننا بكل ما سلف ذكره قد وقفنا على وضوح الفكرة والرؤية من التصالح والتسامح كنقطة محورية لبلوغ وحدة النشاط باتجاه الهدف ..
لتفعيل حركة التصالح والتسامح في الظروف والوضع الراهن من حال الوطن والقضية الجنوبية لتحقيق التفاف حول الأداة السياسية الجنوبية عليها التخلي عن القراءة التقليدية للظواهر والمشكلات الناجمة عن الصراع الجاري بين القوى ليس على مستوى الجنوب، بل والشمال والإقليم .
ان مجتمعنا الجنوبي بكل مكوناته الاجتماعية متجانس ولكنه غير متطابق كليا لأنه متعدد متنوع مختلف في المصالح والثقافات والوعي . هذا التنوع والتعدد يحدث فيه حراكا ينقله من حالة الى حالة اخرى بفعل تداخل الحركة تنشا مشكلات لا حصر لها ينتج عنها سلوكاً عاماً ولكن لا يحدث فيه تماهياً وتماثلاً في قضاياه ومشكلاته ، الا انه يحدث تقارب اثناء الاحداث الجسيمة او المنعطفات الحادة .

لهذا فإن الوضع يحتاج الى معادل سياسي اقرب الى المؤسسي لقراءة ما يجري في الواقع ولملمة القوى السياسية وتوجيه فعلها باتجاه الغايات المثلى في المسار العام الممكن .
وهكذا يفعل المعادل السياسي مع الحراك المجتمعي لتجذير عوامل التصالح والتسامح لحين نشوء الدولة ومؤسساتها لتحقيق العدالة الحقوقية في المواطنة القائمة على التصالح في جبر الضرر وتسوية حال المجتمع بكل مقوماته تشريعياً وقضائياً.
 منهم المعنيين بتفعيل حراك التصالح والتسامح في الظروف و الواقع الراهن كما هو حال اليوم ..؟
• ممثلي الفئات والشرائح الاجتماعية.
• المكونات السياسية.
• التكوينات والمكونات الثقافية .
• المؤسسات الدينية.
• المنابر الفكرية.
• المنظمات النقابية.
• الاتحادات المهنية.
• منظمات المجتمع المدني.
• الجمعيات الخيرية.
• الشخصيات الاجتماعية .
وتزداد اهمية ودور هذه القوى في هذه المرحلة في ظل غياب المعادل الضابط لمسار التصالح والتسامح و ابرز هذ المعادل يكمن في :
- الدستور
- القوانين
- الانظمة واللوائح
- المؤسسات القضائية
- المؤسسات الأمنية
- مؤسسة الجيش
- الاجهزة المعلوماتية
- الاجهزة البحثية
اليوم التصالح والتسامح هو خارج اهتمام هذه المؤسسات في التركيبة الحالية للدولة مع تقديرنا لعناصر تشترك بصفتها الشخصية في دعم التصالح والتسامح للحفاظ على النسيج الاجتماعي انطلاقا من انتماءها للهوية الجنوبية وليس تمثيلا لتلك الأجهزة .

التباين والاختلاف في العلاقة السياسية بين المكونات الجنوبية يجري فهمه على انه واحدا من المشكلات الجدية المثبطة للتصالح والتسامح وعلى وجه الخصوص بعد انخفاض المد الشعبي بالتحول من الحراك السلمي الشعبي كأسلوب نضالي لتحقيق استعادة الدولة الى اشكال سياسية تعتمد على الدعم الشعبي ولكن بأقل فعالية وتحرك بفعل وجود الوسائل الاخرى ونوافذ العمل السياسي التي فتحت على الاقليم والعالم بعد تحرير اكبر جزء من المناطق الجنوبية بقوى ووسائل جنوبية مدعومة بالتحالف العربي..
هذا الوضع احدث تغييرا في اشكال واساليب إدارة الصراع ووسائله وهذا يجعل الجنوب وقيادته السياسية اكثر احتياجا لوحدة الصف والحفاظ على النسيج الاجتماعي والتوافق السياسي كركائز مهمة للتصالح والتسامح ..أو لنقل ان التصالح والتسامح مصدر قوة القوى السياسية الجنوبية في ادارة وقيادة الصرع لبلوغ الهدف الجنوبي العام.
ان هذا الاشتراط المتبادل بين التصالح والتسامح والتوافق السياسي للمكونات الجنوبية يشكل اهمية بالغة ، فإن على القوى السياسية الجنوبية ان تتحرر من بعض المفاهيم المغلوطة حول الاختلاف والتباين على انه قطيعة سياسية تسمح لكل طرف ان يخون الاخر ويذم مواقفه وينعته بأوصاف تجعل منه عدواً .
ان التباين والاختلاف او الخصومة السياسية لايجب ان تؤدي هذا الفجور المضر ضرراً فادح بالقضية الجنوبية وبالتصالح والتسامح على وجه الخصوص .

 كيف نخرج من هذه المفاهيم الكارثية إلى رحاب التقارب والتوافق في إطار لتصالح والتسامح..؟
ان على القوى السياسية فهم البعد التكاملي للتباين والاختلاف فهما سياسيا معتدلا لان هذا الاعتدال في الفهم هو معالجة بحد ذاته لواقع العلاقة القائمة بين المكونات الجنوبية ومنظمات المجتمع، لان التحاور مع فهم الواقع السياسي يفرض بالضرورة القبول بالتعايش وتسليم بحقيقة الالوان المتعددة في الساحة الفكرية والسياسية والتشكلات الناتجة عنها في الوعي والثقافة والسلوك الاجتماعي..
لذلك فأنه لا مفر من مواجهة حقائق الساحة السياسية والاقتراب منها وهو امر غاية في الاهمية.. الهروب او إدارة الظهر لهذه المشكلات انما يفاقم الصعوبات ويزيد من العوائق الضارة بالقضية الجنوبية والكيانات السياسية والمجتمعية وبالتصالح والتسامح .
التباين والاختلاف هذا امر واقع ..هناك اختلاف وتباين في الرؤى السياسية والفكرية والصياغات المحكومة بذلك الفكر وتلك السياسات وطالما ان القضية المركزية هي تقرير المصير وهي محور الجذب وموضوع النشاط السياسي والمجتمعي لتلك القوى فان الواقع يستدعي بحثا مدروسا ومتأنيا للمشترك والجامع للعلاقات السياسية بين تلك المكونات والكيانات لتحقيق البعد التكاملي في توازن التباين والاختلاف ضمانا لوحدة قيادة وادارة الصراع مع اعداء القضية واهدافها وليس بالضرورة وحدة تنظيمية وهيكلية ووثائقية.
بهكذا فعل تستطيع القوى السياسية والمنظمات الاجتماعية قطع دابر الارتداد الى الموروث السياسي وتبعاته من الصراعات الدموية الذي لازال يسحب نفسه ويستدعى في كل تباين واختلاف طبيعي ينشا بين القوى السياسية الجنوبية وهذا يؤثر على التجانس والتناسق والتوافق والانسجام بين القوى السياسية.
ان التباين والاختلاف ليس عيبا سياسيا مضرا ، لكنه يصبح كارثيا وعبئ سياسي اذا لم يحتكم لضوابط العمل السياسي المشترك .
ان على القوى السياسية المختلفة ان تدرك ان التباين والاختلاف لا يعني القطيعة السياسية او الفجور في الخصومة..
ان على الجميع ان يستشعر المسئولية في هذه المرحلة الحساسة التي خرجت فيها القضية الجنوبية من الداخل المغلق والمحاصر والمنكفئ الى الاقليمية والدولية ولكن في تسابق محموم مع قوى تحاول وأد القضية الجنوبية وإعادتها الى لمربع المطلبي الحقوقي في اطار النظام السياسي التقليدي القبلي العشائري المتصارع الذي تجاوزه المجتمع الجنوبي الى السقف السياسي المسموع اقليميا ودوليا ولكنه يحتاج الى مثابرة وجهود تأكد للعالم مدى توافق القوى السياسية الجنوبية ليس في كيان سياسي موحد كما يذهب البعض مبالغا في اهمية ذلك ولكن الى توافق على وحدة قيادة النشاط السياسي في القضايا ذات البعد الوطني العام.
ان التصالح والتسامح في هذا الوضع يشكل رئة القضية الجنوبية وقلب القوى والمكونات السياسية الجنوبية ومنظمات المجتمع.
ليس امام القوى السياسية الجنوبية ومكوناتها الا التعايش في نسق من العلاقات السياسية وتمثل البعد التكاملي لتباينها واختلافها بوصفه ميزان ضابط لهذه العلاقة.
ان امام الحامل السياسي والكيان القيادي مهمة الانتقال على قاعدة التصالح والتسامح من التضاد والصراع البيني الحاد الى التألف والتلاحم والتقارب والتوافق والائتلاف.

ان التحلي بثقافة التصالح والتسامح سبيل الى التقارب في نسق قيادي لا يتجاوز اهداف القضية الجنوبية وتمثيلها سياسيا في المحافل الدولية والاقليمية.
لعلنا نتفق جميعا ان الاوضاع السائدة اليوم تتطلب تكاملا متوازنا في النظرة الواسعة والاكثر عمق لمنظومة العلاقات السياسية بما فيها من تباين واختلاف جذري او جزئي وتوظيفه لخدمة القضية عندما تكون القضية جامعة تلتقي حولها جميع التوجهات السياسية ..فالتكامل لا يعني ادارة الضهر للآخر الذي يتبنى معك المسار والهدف.
ارجو ان اكون قد وفقت في ايضاح فكرة وابعاد التصالح والتسامح وعلاقته بالقوى والمكونات السياسية كرافعة لوحدة النشاط السياسي والمجتمعي للمكونات الجنوبية بمختلف اتجاهاتها وتوجهاتها السياسية والفكرية والثقافية.

د. نجيب ابراهيم سلمان
باحث في التاريخ السياسي المعاصر