كتابات وآراء


05 مارس, 2019 10:21:38 م

كُتب بواسطة : محمد علي محسن - ارشيف الكاتب


لم يقل الدكتور ناصر الخبجي ، عضو المجلس الانتقالي ، إلَّا شيئاً يُعبِّر عن قناعته ، وبرغم ذلك أجبر على نفي شيئاً مقتنعاً به ؛ إرضاء لآخرين ، أو قولوا تماهياً مع الموجة السائدة الرافضة لكل أشكال التطبيع مع الواقع الجديد ..

والأمر ذاته ينطبق على صلاح الشنفرة الذي عاد بطائرة الرئيس هادي وقتها ، لكنه وبمجرد وصوله لقريته " غول سبولة " بالضالع رأيناه شخصاً مغايراً ، إذ وبضغط وإلحاح من أتباعه ورفاق مقيله ، أُجبر على إستقالة من وزارة لم يزاول عمله فيها بعد ، وهذه دلالة على مدى الإرباك الحاصل .

ولو أنه انتظر أياماً قليلة ؛ لحين تعيين عيدروس وشلال في منصبي المحافظ ومدير الأمن لعدن ؛ لما تسرع وأعلن عن نكثه لعهد قطعه ، بل واجزم أنه ندم على انسياقه خلف اصوات جامحة نزقة .
المسألة لا تحتاج لدلائل وقرائن ، فجُّل قادة المجلس الانتقالي أو سواه من المكونات الجنوبية ، خائفون من مكاشفة اتباعهم وانصارهم بحقيقة أن السياسة محكومة بظروفها التاريخية .
وبما أن التاريخ سيرورة من الأحداث المتغيرة فبكل تأكيد السياسي الناجح هو ذاك الذي تكون بدائله مواكبة ومتفاعلة مع متغيرات التاريخ وأحداثه .
إما الفاشل سياسياً فعلى عكس ذلك تماماً ، إذ تكون أدواته تضاهي خياراته القديمة العاجزة عن التفاعل وبحيوية مع كل جديد ومتغير ، ولدينا من هذا الصنف الكثير من القادة الحزبيين المتخندقين ومنذ أكثر من نصف قرن بقوالب قومية وشعوبية وتاريخية عفى عنها الزمن ..
ولا أظن أن المسألة مقتصرة على الخبجي أو الشنفرة ، اللذين اضطرا في نهاية المطاف للتراجع عن اقوالهما أو مواقفهما ، وانما هي صفة تكاد شاملة في أغلب قادة المكونات الجنوبية أو اتباعهم ، الَّا من رحم ربي .

فجُّل هؤلاء يخشون التغريد بعيداً عن مزاج العوام ، على ما في هذا التماهي ، مع رغبات الشارع ، من خطورة على السياسي الذي يفترض أنه يحمل افكاراً ورؤى وبدائل سياسية وليس رغبات وامزجة عفوية صاخبة ، فهذه الأشياء مكانها الطبيعي الشارع وليس ذهن من يفترض أنهم قادة أو صُنَّاع قرار .

ربما مبعث هذا الخضوع سببه الثقافة الشمولية الأحادية ذات الصوت الواحد ، والمكون الواحد ، والشعار الواحد ، فهذه الثقافةمازالت سائدة حتى اللحظة ولا يبدو أن هناك ثمة استيعاب للواقع الجديد ولا لتكتيكاته أو تحالفاته أو مصالحه أو غاياته .

الجنوبيون لم يتعلموا بعد معنى التنوع والتعدد ، وأن تعلم بعضهم فإنهم في الواقع أسرى لقولة : مخطئ مع اخوانك ، ولا مصيب لوحدك " ، ولهذا يستحيل أن ترى سياسياً جنوبياً يغرد خارج الفكرة الأحادية التي لا تغضب أحداً أو تعبر عن سياق مختلف ..

اذكر انني واثناء اشتعال الأزمة السياسية قبل حرب صيف ٩٤م كنت أقرأ احاديث مطولة للدكتور محمد عبد الملك المتوكل ، أو يوسف الشحاري ، رحمة الله عليهما ، أو يحيى مصلح ، وثلاثتهما قادة في المؤتمر الشعبي ، وفي كل مرة استغرب واندهش لتلك الأفكار الجريئة الناقدة ، والقادحة حيناً للمؤتمر وتجربته .

لكنني وبمضي الوقت ايقنت أن المسألة ليست عفوية فحسب وانما مردها ثقافة جبلت التنوع وفي إطار المكون الواحد .
كما وأدركت أن هذا التعدد الفكري لم يأت منحة من الحاكم المتسلط ، وانما اوجدته أعراف وتقاليد مجتمعية زخرت بمثل هذه الأفكار المختلفة التي حافظت على كينونتها كإرث قبلي إلى أن جاءت التعددية السياسية لتضف لها ادوات حديثة جعلتها تنفذ إلى مساحة اكبر ومجتمع اكثر .
السؤال المهم الآن : أين محل الجنوبيين من هكذا تعدد وتنوع سياسي ؟ ولماذا ينبغي أن نكون نسخة واحدة ومكررة من القائد زعطان أو فلتان ؟؟ هذا اسمه خضوع وإنقياد أعمى متعصب ، ولا أظن الخبجي والشنفرة إلَّا قائدين من اسماء كاثرة تخشى التغريد بعيداً .

وأكثر من ذلك ، فليس هنالك أسماً جنوبياً واحداً يمكنه التحدث عن رأيه وفكرته بحرية ودونما يقابل بالتخوين والإساءة والترهيب وسواها من مفردات الانظمة الشمولية .

طبعاً ، الاستثناء الوحيد - والاستثناء لا يقاس عليه - تمثل بالمعارض السياسي الجسور ، والمناضل والمفكر والكاتب ، عمر الجاوي ، رحمه الله ، فهو الجنوبي الوحيد الذي عُرف بتغريده بعيداً ومنفرداً عن ماكينة الدعاية النظامية الأحادية التي ما فتأت مستبدة بنا للحظة الراهنة ..

محمد علي محسن