كتابات وآراء


18 مارس, 2019 12:52:57 م

كُتب بواسطة : هاني سالم مسهور - ارشيف الكاتب


صحوة ثانية للولايات المتحدة الأميركية، هكذا يمكن أن توصف تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو التي أدلى بها بعد أن اجتمع مع المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث.
صحوة البيت الأبيض جاءت بعد تصويت الكونغرس الأميركي على وقف دعم التحالف العربي في حرب اليمن، وإن كان الرئيس دونالد ترامب سيستخدم الفيتو لإسقاط قرار المشرعين الأميركيين، إلا أن التصويت وإن كان من باب مناكفة الحزب الديمقراطي للرئيس ترامب فإنه أعاد الصحوة الأميركية للصراع الدائر في اليمن.

الصحوة الأولى والتي جاءت عبر تصريحات مفاجئة لوزير الدفاع السابق جيمس ماتيس في أكتوبر عام 2018، أنتجت حراكا سياسيا أميركيا أوصل اليمنيين إلى ستوكهولهم تحت شعار “إجراءات بناء الثقة”، لتتحول إلى اتفاق السويد والذي تم تثبيته بقرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي (2451 و2452)، لتنهي مسألة العملية العسكرية لتحرير ميناء الحديدة.
ما حدث في الصحوة الأميركية الأولى أن الدبلوماسية البريطانية استطاعت أن تدفع بالملف اليمني إلى مربع مختلف عمّا كان عليه منذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر عام 2014، فلقد نجحت بريطانيا في تجزئة الملف اليمني وفي تحويله إلى أجزاء مفككة.
سياسياً يعتقد البريطانيون أن تجزئة الملف اليمني هو بديل لاستنزاف أطراف الصراع اليمنية، فلقد ثبت أن الأطراف المتحاربة تمتلك نفسا طويلا في الحرب ولديها القدرة على توظيف الحرب لأغراض مختلفة، خاصة وأن تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2019 اتهم طرفي الصراع بشكل مباشر بأنهم تجار حرب ويسعون متعمدين إلى إطالتها والاستفادة من الأموال لتمرير صفقات السلاح، إضافة إلى ذلك استفادت الأطراف من بيع المساعدات الإنسانية في السوق السوداء.
أذن ما حققته بريطانيا في الصحوة الأميركية الأولى يبدو هذه المرة مواتيا مرة أخرى للبريطانيين، غير أن الصحوة الأميركية الثانية تحمل من خلال المتغيّرات السياسية الدولية ملامح مختلفة انعكست في تصريحات الوزير مايك بومبيو بعد لقائه بمارتن غريفيث. فلقد أعاد بومبيو التذكير بالإستراتيجية الأميركية ضد إيران، معتبرا أنه من المستحيل للولايات المتحدة تسليم الممرات المائية للإيرانيين، وهنا استدراك غاية في الأهمية فلقد جاءت إستراتيجية الولايات المتحدة ضد إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وواحدة من تلك التعهدات الأميركية تتعلق بالميليشيات الموالية لطهران، والحوثيون هم إحدى تلك الميليشيات الإيرانية.
لم تحقق الولايات المتحدة من إستراتيجيتها الأهداف التي يمكن أن تجبر النظام الإيراني على تغيير سلوكه أو حتى على تقديم تنازلات في الاتفاق النووي، فالإيرانيون يراهنون على عامل الوقت ويسعون إلى انتظار الانتخابات الأميركية الرئاسية المقبلة علّها تزيح دونالد ترامب من منصبه، ويمكنهم من بعد ذلك التعامل مع واقع مختلف عمّا فرضه الرئيس ترامب على إيران والمجتمع الدولي بتنفيذه وعوده الانتخابية وانسحابه من الاتفاق النووي.
في هذا التوقيت أرسل النظام الإيراني إشارات قوية للأميركيين، فالحكومة اللبنانية وإن بدت ليست موالية ظاهريا لإيران لكنها في الواقع تابعة لذراعها حزب الله، كما أن الإيرانيين أظهروا للعالم كيف أن العراق تحوّل لرئة يتنفس من خلالها النظام الإيراني وأن كافة سياسات الاستقطاب للعراق أفشلها الإيرانيون، وبات بالفعل الهلال الشيعي جسرا متصلا من طهران مرورا ببغداد ودمشق وحتى بيروت.
مازالت إيران في اليمن تتحدث عن البدر الشيعي، حيث تشير مراكز الدراسات الإيرانية بوضوح إلى الطموحات الإيرانية في البحر الأحمر وباب المندب، وتشير تقارير إلى أن الإيرانيين يرغبون في أن تلعب تركيا أدوارا أكثر حيوية في الممرات المائية العربية، كما لعب الأتراك أدوارا مكّنت الإيرانيين من تثبيت ميليشياتهم في الأراضي السورية، ولعل ما تشعر به الولايات المتحدة من عمق الخطر الإيراني في اليمن يدفعها للعب دور حاسم خاصة مع عدم تحقيق الإستراتيجية الأميركية لأهداف واضحة حيال إيران.
المعركة الأميركية الإيرانية على الساحة اليمنية يجب أن تقرأ من زواياها الصحيحة. فتجزئة الملف اليمني، وهي فكرة بريطانية، خلقت معضلة ميناء الحديدة، فالبريطانيون كانوا يعتقدون أن الضغط على الأطراف المحلية في اليمن سيدفع لتنفيذ اتفاق السويد، في حين أن اليمنيين يجيدون الاستثمار في الضغوط وتحويلها لمسارات متعددة يستفيدون منها، كما استفادوا من المبادرة الخليجية التي جعلوها مرجعية تستخدم متى شعروا بالحاجة إلى حصانة إقليمية، تماماً كما يفعل الحوثيون الذين يستخدمون الدستور لتمرير قراراتهم المجحفة فقط لتسويغها، ومنحها المبرر القانوني متجاهلين أنهم انقلبوا على الدستور والدولة.
إذن لا يمكن التعويل على الأطراف المحلية التي باتت مفضوحة أمام المجتمع الدولي، ويبقى التعويل على أدوار إقليمية يمكنها أن تساهم في الخروج من المأزق اليمني لتخفيف المعاناة الإنسانية وضمان الحد الممكن من استقرار اليمن.

وهذا يتطلب أن تلعب مسقط دورها كوسيط لضمان تحريك جزئي لاتفاق السويد، فالتنفيذ الجزئي لهذا الاتفاق والانتقال لمرحلة الإطار السياسي مع ضمانة أولى بضرورة تسليم الحوثيين، وكذلك حزب التجمع اليمني للإصلاح كافة أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة لطرف محايد وبإشراف دولي وإقليمي.
قاعدة الحل في اليمن تتطلب استدراكا لكافة ما وصلت إليه لبنان والعراق وسوريا، فالوضع القائم على الميليشيات التي تحصل من الدولة على شرعيتها، كما هو حال حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، يجب قطعه للبناء نحو دولة وطنية.
في اليمن أطراف مؤدلجة تمتلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والمدرعات الحربية والمدفعيات بأنواعها، الإيرانيون يراهنون على حصة للحوثيين كحصة حزب الله في لبنان، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين يراهن على حصة سياسية وعسكرية يعاود منها التنظيم عمله بعد فشله بسقوط نظام محمد مرسي في مصر.
المعادلات اليمنية باتت صعبة للغاية وإفرازات حلول مجتزئة لمجرد صحوة أميركية مفاجئة لن تقدم معالجات صحيحة، بل ستسلم شمال اليمن للإيرانيين، وسترمي بجنوب اليمن في حرب أفغنة لا منتهية حتى تمر عقود لنرى الأميركيين يتفاوضون مع المتطرفين كما رأيناهم يتفاوضون معهم بعد عشرين عاماً في أفغانستان.
وتبعا لأهمية ما يمكن أن يصل إليه اليمن على الولايات المتحدة أن ترمي بثقلها السياسي والعسكري في اليمن وأن تعمل مع حلفائها، السعوديين والإماراتيين، على أجندة تضع في اعتباراتها السيناريوهات المستقبلية لبلد قادر على استنزاف المنطقة والعالم في حرب طويلة، فاليمنيون على استعداد لحرب مئة عام في ظل غياب وعيهم واستمرار مكاسب الحرب لأمراء الحرب.