كتابات وآراء


21 مايو, 2019 01:31:04 ص

كُتب بواسطة : د. قاسم المحبشي - ارشيف الكاتب


كان الدكتور مبارك حسن خليفة أحد الدوافع المستهدفة من زيارتي الأولى للسودان قبل عام، حاولت مرات عديدة بالتواصل مع ابنه رشيد الذي حصلت على رقم هاتفه من الاستاذة الشاعرة اليمنية العمانية غالية عيسى طالبة الدكتور مبارك ومشرفها العلمي في الماجستير بكلية التربية عدن والتي حملتني إليه رسالة وفاء حانية ولكن بعد محاولات مخفقة مع المهندس رشيد الذي وعدني بترتيب الزيارة للأستاذ فخذلني مرة تلو الأخرى -الله يسامحه- اصبت بالأحباط وفقدان الأمل بامكان تحقيق أمنية زيارة الاستاذ الذي تربطني به علاقة مودة منذ أكثر من ثلاثين عاما. الفضل كله يعود الدكتور نزار غانم في ترتيب هذه الزيارة السومانية الرائعة التي صادفت هوى في قلبي كاد ينطفئ. تجدر الإشارة إلى أن الزيارة جاءت بعد اسبوع من مناقشة فكرة تأسيس المركز الثقافي السوماني في منزل الدكتور نزار . كنا أربعة الدكتور نزار غانم عميد الفكرة السومانية وصاحب جسر الوجدان بين اليمن والسودان والعميد ماهر فيصل يعقوب قائد عمليات مطار عدن العسكري سابقا. برفقة الروائي السوماني محمد عمر هارون وأنا رابعهم. اتفقنا على أن نزوره في منزله بحي بانت الشرق بامدرمان. زيارة مفاجئة بعد صلاة العشاء. وذلك بعد محاولات عديدة من التنسيق مع ولده المهندس راشد كلها بأت بالفشل، لأسباب لا نعلمها، ولكنها أثأرت في أنفسنا هواجس سلبية بشأن حالته الصحية. كنا نتوقع بأن الاستاذ مبارك لم يعد بمقدوره مقابلة أحد وقد بلغ من العمر قرابة التسعين عاما. ذهبنا على بركة الله والأمل يحدونا بأن نراه ويرانا ويعرفنا ونتكلم معه ونسمعه ويسمعنا. وهذا كان غاية أملنا ربع ساعة قضيناها في البحث عن منزله الكائن في قلب أم درمان . سألنا ووصلنا. ومن محاسن الصدف أننا وجدناه قاعدا على كرسيه بجانب منزله ؛عمارة متواضعة من ثلاثة أدوار في شارع هادى بحي بات الشرق وجدناه بكامل صحته وحيويته. أول ما لمحنا نهض فآخذ يعنقانا بحميمية الأب والدموع تنهمر من عينيه.رحب بنا وادخلنا غرفة الاستقبال في الدوار الأول من عمارة العائلة. هناك وجدنا ولده الفنان حسن مبارك خليفه أيقونة الثورة المدنية في الخرطوم- حسن طالب ثانوية الجلاء سابقا عبده غانم حاليا. في خورمكسر. الاستاذ مبارك كان سعيدا بزيرتنا. فامطرنا باسئلته الحانية عن عدن واهلها الذين عاش فيها وبينهم أجمل أيام حياته قرابة ٣٥ عاما. انتظر العميد ماهر برهة من الزمن لعلى وعسى يعرفه زميل دراسته حسن.كنا في دفعة واحدة من الابتدائية وحتى الثانوية ويقيمان في ذات الحي. حي الرشيد بخورمكسر. حاولت استفزاز ذاكرة حسن لكي افتح نافذة للتعارف بينه وبين العميد ماهر الذي ذكّره بموقف مشتركها بينما فإذا به يصخر .. أنت ماهر فيصل يعقوب زميلي! فنهضا في مشهد عناق حميم بعد انقطاع طويل منذ عام ١٩٩٠م. قرابة ٣٠ عاما من الافتراق بين الزميلين كانت كافية بتغيير ملامحهما بعد سنوات سومانية عربية عجاف. كان الدكتور نزار هو الوحيد الذي ظل على اتصال بالاستاذ مبارك بحكم الإقامة في مدينة واحدة أم درمان ربما تقابلا منذ عامين . الاستاذ مبارك لم يخفي سعادته بزيارة دكتور نزار الذي اجلسه بجانبه بفرح غامر. كان لقاء حميم لمدة ساعتين تبادلنا أطراف الحديث في شؤون الماضي والراهن الخاصة والعامة وكانت الثورة التي تتنضد لتوها في عموم السودان لاسيما وقد وجدنا فنان الثورة وايقونها حسن مبارك خليفة اصغر ابناء الدكتور مبارك هناك إذ حدثنا عن ما يدور في ساحة الاعتصام من إبداعات جديدة للروح المدنية السودانية الخلاقة. سألني الدكتور مبارك عن عدن وجامعة عدن واخبار الزملاء والاصدقاء. سألني عن الدكتور صالح علي باصره وعن حبتور وعن اتحاد الأدباء . وقال أن عدن لم تفارق ذاكرته ابدا. أدهشني بقوة ذاكرته. وحينما سألته عن أولاده أجابني مطلقا تنهيده! عندي خمسة أولاد ذكور وكنت أتمنى أن يرزقني الله ببنت اسميتها حنان، فأخذ ينشد قصيدة في حنان الحلم والأمل القديم الحميم الذي لم يتحقق.
الدكتور نزار نقل إليه فكرة تأسيس المركز الثقافي السوماني فاسعده ذلك كثيرا لاسيما وانه يعد من رموز السومانية واعمدتها الأساسية كما ورد في كتاب جسر الوجدان بين اليمن والسودان الدكتور نزار . كتب الروائي السوماني محمد هارون في تلك الزيارة ما يلي: "بروف مبارك حسن خليفة عمل استاذا بجامعة عدن لاكثر من. سبعة وثلاثين عاما.. وهو. ٲكاديمي وناقد وشاعر. اصدر خمسة دواوين شعر ، منها.الرحيل النبيل.. وتغنى له مطربون من.عدن وامدرمان..ولقد تخرج علي. يديه الآف الطلبة والطالبات. وفي عدن كان علما على رٲسه نار! ناشطا ثقافيا واجتماعيا..وله مساجلات وكتابات في الصحافة والدوريات. ومقابلات على وسائل الاعلام. كان.مشهورا،سارت به الركبان. اطبقت شهرته وعلى الافاق.. بمجرد ٱن استشرفنا داره، وجدناه على كرسي يتٲمل. رونق والق.الطبيعة في.بوحها الشفيف. سرعان ماهب وعانق نزارا سالت.عبراته باكيا كالاب وابنه بعد. فراق... سعدنابرؤيته.. وهو.ينعم بشيخوخة نبيلة كاستراحة المحارب، وهو راض وقانع بماقدمه للعلم والثقافة والفنون. ولازال يبدع كانت.مسامرة راقية رائعة. غصنا.في سراديب الذكريات النبيلة.. تجاذبنا فيها اطراف.الحديث السوماني"
عشق عدن حد الوله وكتب فيها أجمل قصائده مما قاله فيها:
عدن توشح بالغرام فتاها وبحبها بين الحسان تباها
في الساحل المسحور سطّر عشقه
حي الرشيد يشي بيوم لقاها
عدن هواها قد تملّك مهجتي
بالحب قد نلت المنى ورضاها
وشوشت للخرطوم ذوب مشاعري
وحكيت للنيل الحبيب صبابتي
النيل عودنا وبارك حبنا
ودعا فؤادي للهوى ودعاها
ذلك كان مقطع من قصيدة طويلة قالها قبل رحيله من عدن الى أم درمان.