كتابات وآراء


11 يونيو, 2019 07:25:37 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


غاب عن الساحة السياسية اليمنية واحد من أكبر حكمائها ومن أكثرهم اتزانا وعقلانية ، فقد تناولت المصادر الإخبارية منذ أمس الأول نبأ وفاة الأستاذ محمد عبد الرحمن الرباعي الأمين العام لاتحاد القوى الشعبية في اليمن، وهو الحزب الذي عصفت به الأحداث ما بعد الانقلاب الحوثي - العفاشي فتفرق قادته بين أنصار للشرعية وأنصار للانقلاب، وقبل ذلك كان قد تعرض للاغتيال واحد من أهم مفكريه وهو الدكتور محمد عبد الملك المتوكل (الله يرحمه) في حين آثر الأستاذ الرباعي (الله يرحمه) الصمت (وربما العزلة) في هذه الأجواء المشوشة والبيئة الملوثة بكل الموبقات.
الأستاذ الرباعي من الجيل الستيني وربما الخمسيني، لكن ما أعرفه عنه أنه كان عضو مجلس الشعب التأسيسي عند مسرحية انتخاب علي عبد الله صالح لمنصب الرئيس، في العام 1978م وعرفت عنه من آخرين بأنه من بين القلائل الذين صوتوا بـ(لا) لانتخاب صالح، وبجانبه البرفيسور عبده علي عثمان (أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء لاحقا)، شفاه الله، وآخرون قليلو العدد.
وقد حكى لي الأستاذ محمد تفاصيل مخيفة عن الليلة التي سبقت (الانتحاب) و(جواني) شوالات الريالات التي جرى توزيعها على أعضاء المجلس، وتفاصيل عديدة كشفها آخرون ممن عاشوا الحدث، وهذا ليس مقام تناولها.
قال لي الأستاذ الرباعي: بعد حادثة تصويتي بـ(لا) لانتخاب الرئيس صالح بأيام، وبعد إمساكه بدفة الأمور، دعاني إلى مكتبه، ولأنني لم أكن قد عرفت عنه الكثير، سوى كونه مدير أمن تعز، وما ارتبط بهذه المهمة من تسريبات، لا تصنع سمعة حسنة، فقد استعددت لكل الاحتمالات بما في ذلك أسوأها.
واستطرد: دعاني الرئيس وسلم عليَّ وتحدثنا في أمور كثيرة ثم سألني: أنت صوتت ضدي، صح؟؟ فقلت له أنا مارست حقي في الاختيار، فرد الرئيس : أنا أحترمك لهذا الموقف.
ثم بعد نقاشات متفرقة طرح علي السؤال: طيب ماذا تريد أن أعينك؟ وزير أم سفير أم أي وظيفة تريدها؟
قال الأستاذ محمد: "فكرت في الأمر وكدت أن أقول له أنا عضو مجلس شعب وكفى’ لكنني رجحت فكرة السفير، فأنا قد لا أتحمل ما ستأتي به الأيام من أحداث غير متوقعة في ظل هيمنة النزعة العسكرية وغياب العمل المؤسسي والمؤشرات التي تؤكد توجه البلد نحو الدكتاتورية".
وبقي الفقيد منذ 1978م في هولندا لم يدخل اليمن إلا في العام 1990م.
لم يكن الأستاذ الرباعي متعصبا لحزب أو فكرة أو آيديولوجية أو موقف سياسي، كان مخلصا للقضايا الوطنية الكبرى، ويكره التشدد والتزمت والمواقف القطعية التي لا تعرف المساومة أو النقاش أو التراجع وتقديم التنازلات، وقد استطاع أن يجمع بين الحكمة السياسية والصبر والإنصات للآخر وهدوء الأعصاب والقدرة على تحويل الأجواء المتوترة إلى أجواء مرح باختراع طرفة وصناعة نكتة وتلطيف الأجواء حتى استعادة أجواء النقاش العقلاني البعيد عن العصبية والتوتر، عرفت هذا عن تجربة عشرات المرات التي شاركت فيها في لقاءات كان الأستاذ الرباعي يرأسها أو يشارك فيها.
أتذكر من بين الطرف التي سمعتها منه ومعي العديد من الزملاء: بعد تعيين الزميل سالم الخنبشي محافظا لحضرموت، إثر خروجه من الحزب الاشتراكي اليمني والتحاقه بالمؤتمر الشعبي العام، كان البعض يعلق على هذه الحادثة، لكن الحوار انتقل إلى الحديث عن أحد كوادر اتحاد القوى الشعبية الذي يرأسه الأستاذ الرباعي، (أظنه طارق الشامي)، وقد أشاد به بعض المتحدثين لكن الأستاذ محمد الرباعي اختصر الحديث بروحه المرحة: يه لكن حتى هوه قد تخنبش!
رحم الله الأستاذ محمد الرباعي وأسكنه فسيح جناته، وصادق العزاء والمواساة لأهله وذويه ومحبيه وتلاميذه ورفاقه ومرؤوسيه وكل من حزن لوفاته، سائلين الله أن يمن عليهم بالصبر والسلوان.
و"إنا لله وإنا إليه راجعون".