كتابات وآراء


22 أغسطس, 2019 11:22:02 ص

كُتب بواسطة : د. نصر محمد عارف - ارشيف الكاتب


عل أخطر ما أصاب الخطاب السياسي العربي أن الشرعية تحولت من وصف لحال وواقع سياسي واجتماعي، يتغير بتغير الحال وتبدل الواقع ويزول بزوالهما، إلى أن أصبحت اسما يطلق على من اكتسبها كصفة مرة في لحظة معينة ذات شروط وملابسات محددة؛ حيث تظل لصيقة به، وإن قام بكل ما يخالف تلك الشروط، ويغير ذلك الحال الذي بناء عليه أُعطي هذه الصفة.

الشرعية في حقيقتها صفة تُطلق على حالة تصل إليها الدولة فتُسمى شرعية الدولة، أو النظام السياسي فتسمى شرعية النظام، أو الحكومة فتسمى شرعية الحكم؛ أيا كان مصدر هذه الشرعية؛ سواء جاءت من مصادر تقليدية تاريخية أو عرقية، أو مصادر كارزمية تتعلق بشخصية الحاكم وقدراته وصفاته، ومدى تعلق الجماهير به، ودور الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي ظهر فيها، أو مصادر عقلانية رشيدة تعود إلى رضا الجماهير عن حكمه وسياساته، وطريقة وصوله للسلطة، وإدارته لها.
في كل تلك الحالات ومن كل تلك المصادر، فإن الشرعية هي صفة يوصف بها الحالة التي يصل إليها النظام السياسي بأفعاله، ومن ثم فإنها توجد إذا وجد الحال الذي يمثلها، وتزول إذا تغير الحال أو تبدل، وبناء على ذلك فالشرعية تُكتسب وتُفتقد، تُوجد وتزول، يحصل عليها الحكم ويفقدها، فيكون شرعيا في لحظة، ويصبح فاقد الشرعية بعدها بلحظات؛ بناء على أفعاله وسياساته، وعلاقاته بالدستور والقانون، ومدى رضاء الشعب عنه. بمعنى آخر فإن شرعية الحكم تدور وجودا وعدما مع سياساته وقراراته ومخرجاته وأدائه، فهي مرتبطة بمخرجات العملية السياسية بصورة دائمة.

الشرعية في عالمنا العربي أصبحت اسما أو لقبا، وليست صفة بمعنى أنها تُمتلك، ولا تزول أو تسقط، وإنما تبقى ما بقي شخص الرئيس بغض النظر عن أدائه وساساته ومدى رضاء الشعب عنه.

في البداية تكون الشرعية، حين يصل الحاكم أو المجلس المنتخب إلى موقعه من خلال عملية تتحقق فيها معايير الرضاء المجتمعي أيا كانت الوسيلة طالما تقع ضمن معايير القانون السائد وإجراءاته، حينها يصبح الحكم شرعيا، من حيث الابتداء، ويترتب على ذلك وضع قانوني، وهو ما يطلق عليه المشروعية، أي توافق ممارسات الحكم عند إنشائه مع الدستور والقانون.

وحيث إن الشرعية صفة يتم إطلاقها على حالة سياسية يتحقق فيها رضاء المجتمع عن الحكم وجودا وسلوكا وممارسات ومخرجات ونتائج، فإن المشروعية تضبط إيقاع ذلك كله وانسجامه مع القانون. ولذلك لا بد أن يظل الحكم محافظا على الشرعية من خلال رضاء الشعب الذي يحكمه، وقبوله بحكمه وتمسكه بالولاء له، أما أن يعتقد البعض أن الشرعية يمكن أن تكون اسم علم، أي اسم شخص يظل لصيقا به طالما كان موجودا فهذا مخالف بصورة مطلقة لمفهوم الشرعية الذي يصف واقعا معينا في لحظة معينة لها شروطها ومتطلباتها. فالشرعية صفة يمكن أن تزول إذا زالت شروطها.

وقد بدأ تحويل الشرعية من صفة إلى اسم بعد عزل الدكتور محمد مرسي من رئاسة مصر بثورة شعبية عارمة، في هذه اللحظة انطلق خطاب إخواني يستخدم جميع المنصات المتاحة في داخل مصر وخارجها لتحويل الشرعية إلى كنية أو لقب أو اسم للدكتور محمد مرسي، وأصبح مفهوم الشرعية يعني الدكتور مرسي حتى بعد انتهاء فترة ولايته زمنياً، بل إن الكثير من منصات الإخوان ظلت تطلق على الدكتور مرسي بعد وفاته اسم الشرعية.

والأمر يتكرر الآن مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي أصبح اسمه الشرعية على الرغم من أن مكوناً أساسيا من الشعب الذي جاء به لسدة الحكم نزع هذه الشرعية عنه.

لإنقاذ اليمن لا بدَّ من التعامل مع الشرعية بالمفهوم العلمي، وأنها حالة يمنحها الشعب وينزعها الشعب، لذلك لا بد من إعادة الشرعية للشعب الذي قد يعيد النظر في شرعية نظام الحكم ذاته، ويرى أن النظام الفيدرالي أو الاتحادي هو الأفضل لتحقيق الشرعية الحقيقية؛ التي تستعيد اليمن من الاحتلال الإيراني، وتعيد اللحمة إلى نسيجه الوطني، وترمم ما دمرته الحروب المستمرة، وتحقق التماسك بين مكونات الشعب باختلاف قبائله ومذاهبه، وضمان العدالة والرضاء الجماهيري الذي يقود لتحقيق التنمية التي تنتشل الناس من حالة البؤس إلى الحياة الكريمة التي يستحقها كل إنسان في اليمن السعيد.