كتابات وآراء


08 سبتمبر, 2019 03:30:16 م

كُتب بواسطة : احمد الجار الله - ارشيف الكاتب


بات على التحالف العربي إعادة النظر في حركة الأحداث ليفسح في المجال أمام الجنوبيين كي يقرروا مصيرهم لا يختلف ما يجري في اليمن اليوم عما حصل في القرن السادس الميلادي حين قامت الحروب بين القبائل واستعان بعضهم بالرومان ونجاشي الحبشة فغزا اليمن واحتلها، وقضى على حضارتها القديمة، وقتل كل العملاء الذين استعانوا به.
في تلك القصص كثير من العبر يمكن البناء عليها حاليا في ما يتعلق بالوجهة التي تسير إليها الأحداث، وإذا كانت الكعبة المشرفة هدف أبرهة الأشرم في ذلك الوقت، فإن أحفاد دوس ذو ثعلبان اليوم يعيدون الكرة بالتحالف مع أعداء العرب واليمنيين الحاليين، أي نظام الملالي، كي يدخلوا تلك البقعة الطاهرة.
في خضم الأحداث التي شهدها اليمن وشبه الجزيرة العربية، وقتذاك، قال عبدالمطلب عبارته الشهيرة إلى أبرهة الأشرم :”للبيت رب يحميه”، وهي حقيقة لا تزال تثبتها الأحداث يومياً، إذ لم تستطع أي قوة على هذه الأرض دخول مكة واحتلالها وتطويعها لتجعل منها درة تاج مشروعها التوسعي، لا قديماً ولا حديثاً، لأن الطير الأبابيل التي رمت جيش أبرهة بحجارة من سجيل، في ذلك الوقت، تيسر لها في عصرنا الحالي أن تكون هناك مملكة قوية وراسخة لديها كل الأدوات لحماية أقدس بقاع الأرض، وحتى الأفيال التي استعان بها الأشرم، ووقفت على مشارف المدينة المقدسة كأنها تماثيل خشب، لا تختلف عن تلك الصواريخ البدائية التي ترسلها إيران لعميلها الحوثي كي يقصف مكة المكرمة والمدن السعودية بين الحين والآخر.
صحيح أن ذلك اليمني استعان بالأحباش فاحتلوا بلاده 74 عاماً، ودفع الثمن باهظاً جداً، إذ كلفه حياته، وحياة الآلاف من أبناء جلدته، وهو الأمر الذي تكرر مع ذي نواس المفتعل حرباً داخلية ليسيطر على بلاده، وكذلك مع كرب بن سميفع حين حاول اللعب على التناقضات يومها كي يحافظ على شبه دويلة له، غير أنه سقط في شر أعماله.
اليوم لا تختلف الصورة عما كانت عليه قبل نحو 1500 سنة، وهي تتكرر في ظل مسميات مختلفة، فأحفاد سيف بن ذي يزن، ووالده، يطلقون على أنفسهم”أنصار الله”، وهم الحوثيون، فيما المتعاونون مع رومان وأحباش العصر يعرفون بـ”حزب الإصلاح”(الإخوان)، بينما لا يزال أتباع “المؤتمر الشعبي العام” يلعبون لعبة بن سميفع، أما الذين أرادوا الخروج من أتون الحرب والعودة إلى الدولة في الجنوب اليمني فقد وقعوا بين سندان الانقسامات والمصالح الشخصية لبعض قادتهم، وبين مطرقة الإرهاب تلك الأداة التي يستخدمها العدو لإضعاف الجبهة الداخلية.
على هذه القاعدة يمكن استخلاص العبر من الحرب الأهلية التي فرضت على المملكة العربية السعودية ودول “مجلس التعاون” الخليجي تأسيس التحالف العربي أولاً لإخماد نيرانها حتى لا تطال شظاياها دول المنطقة، وتحصين حدود شبه جزيرة العرب من المشروع التوسعي الإيراني، حتى لو كان عبر عملاء باعوا بلادهم للشيطان الساعي إلى هدم ما تبقى من الحضارة العربية والإسلامية، أو الجماعة المشبوهة التي تعمل على إقامة دولتها الإرهابية كما في أدبيات”الإخوان”.
ربما على اليمنيين كافة، في الشمال والجنوب، النظر إلى تاريخهم والتعلم من دروسه القاسية وكيف أن تلك الحقبة جعلتهم شبه عبيد للأحباش تارة والفرس تارة أخرى، لأنهم استعانوا بالأجنبي على ابن جلدتهم، فمثلما ذبح الأحباش سيف بن ذي يزن الوارث العمالة عن أبيه، لا شك في ظل التطورات التي يشهدها الإقليم وذلك الحصار الخانق على نظام الملالي سيكون الحوثيون أول ورقة تحرقها طهران في سعيها إلى فتح كوة في جدار الحصار الدولي.
في هذا الشأن لن يختلف مصير “حزب الإصلاح” عن نظيره الآخر حين تتبدل موازين القوى بين الداعمين له وخصومهم، فيما الحكومة الشرعية ستجد نفسها أضعف من أي وقت مضى لأنها لم تعمل على معالجة أسباب المرض وتجتثه، ولأن رموزها لا يزالون يلعبون على التناقضات لاستمرار الحرب التي تنعش مشاريعهم الشخصية، وتراكم ثرواتهم، فـ”حزب الإصلاح”، المستفيد من لعبه على التناقضات بتحالفه مع الحكومة من جهة، والإبقاء على صلاته بالحوثيين من جهة أخرى، وحده ينهب شهرياً نحو 540 مليار ريال يمني، بينما الحوثيون يستولون على مليارات عدة، وينهبون المساعدات الغذائية التي تصل إلى اليمن، فهل يتصور عاقل أن هؤلاء سيتخلون بسهولة عن تلك المنافع حتى لو كان مصدرها دم اليمنيين؟
من هذه الحقيقة ربما بات على التحالف العربي إعادة النظر في مجمل حركة الأحداث، ليفسح في المجال أمام الجنوبيين كي يقرروا مصيرهم ويعلنوا فك ارتباطهم النهائي مع الشمال بينما يترك الأخير لمصيره الذي اختاره له قادته بسبب مغامرتهم الاستعانة بالعدو على أبناء أمتهم.
لا شك أن شبه الجزيرة العربية ومكة المكرمة ستبقى بحماية رب يرعى قوات المملكة العربية السعودية ودول”مجلس التعاون” من أبرهة الحوثي، و”الإصلاح” و”القاعدة” و”داعش” كما حمتها تلك القوات على مر التاريخ وتحديداً في العقود الثلاثة الماضية.

احمد الجارالله
رئيس تحرير "السياسة" الكويتية