كتابات وآراء


19 سبتمبر, 2019 01:20:45 ص

كُتب بواسطة : د. لؤي عبدالباري قاسم - ارشيف الكاتب


كنا قد كتبنا أنا والعديد من كوادر جامعة عدن ومثقفي عدن والجنوب بشكل عام بأن تعمل الشرعية وتجتهد ولو لبعض من الوقت وإتاحة الفرصة لها لتدارك انتقادات الشارع واحتقانه المتزايد والمتسارع، الا انني وجدت نفسي محرجا أكثر مما كنت فيه من حال بطلبي هذا والذي اضاعت فيه الشرعية بأخر محاولات النجاة وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حكومة وشرعية كنت أعتقد انها ولو بقدر من المسؤولية الا انها كشفت عن فحوى كيانها وتكوينها وما هي عليه أصلا وذلك بأن تظهر في كل مرة بأسوأ احوالها وهو الامر الذي يزيد من تذمر الشارع والمواطن ويغلب مفهوم فشل الشرعية في إدارة البلاد وخاصة في الجنوب لمرات عديدة، لم يجعلوا لأنفسهم ولا لشعبهم من احترام او تقدير بل ذهبوا لأبعد من ذلك بكثير...حكومة وسياسة دولة متغطرسة اكتفت بما اقتنعت هي به وتركت كل ما من شأنه أن يعمل لأجل التماهي مع نرجسيتها بنجاحها وكأنها حكرا لها فقط.
الامر الاخر يكمن في ما ذكرته في مقالة منذ أكثر من عامين بأن يكون العمل مشتركا بين الدولة وأي نموذج أو مشروع وطني أخر اذا ما كانت الدولة ممثلة بحكومتها قد فشلت بل وتمادت في تكبرها نحو فشل أكبر وأكبر، وكذلك أشرت الى أن تترك المجال لأي نموذج اخر يمكنه محاولة إدارة شؤون البلاد ومؤسساتها كنوع من الاعتراف أو السماح للأخر بمحاولة انقاذ الموقف والوضع الداخلي المتأزم وخاصة في عدن والمحافظات المحررة، ولكنه هكذا هو حالنا وكما اعتدنا عليه بأن لا تقبل حكوماتنا ولا توجه الدولة السياسي هكذا نوع من الحوار والتفاهم في ما يسمى بالشراكة المجتمعية، فما بالنا ونماذج المعارضة أو لمن فوضهم شعب الجنوب لأداره شؤونه لأجل الحد من ضياع المزيد من حقوقه ... أستمر الحال الى ما وصلنا اليه منذ سنتين في تغيير لرئيس الحكومة وتعيين اخر وهو ما زاد من صعوبة المرحلة وتعقيداتها بشكل أكبر، بحيث زادت الحكومة بكسادها وعدم مقدرتها (أو ارادتها) في وضع خطط فاعلة والعمل بها بوتيرة تمنحها بعض من تفهم المجتمع لها، الا انها كعادتها الموروثة سلبا واصلت وبأكثر سوء من سالفتها لنحو لم يعد يتقبله الشارع أو أن يصبر عليه ولو لأيام... فالناس تموت كمدا وهي عزيزة عفيفة النفس لأن تمد يدها تسولا لأجل القوت أو شربة ماء، وهكذا تحرك النسيج العام في عدن معبرا عن الآمه وغضبه باحثا عن مخرج لتغيير الحال مما هو علية، وحينها لم يستطع المجلس الانتقالي الجنوبي أن يبقى مكتوف الايدي و الوقوف دون حراك وهو يرى كل هذا يحدث دون تحريك ساكن.
خلاصة القول ان ما حدث انما يعد واجبا وطنيا جاء ليملئ المكان المناسب له وهو الأمر الذي تركته الشرعية هشا وخاليا لأن يشغر من قبل اخرون غيرها ولكن ولله الحمد ان ما كان يخطط له ذئاب المرحلة لم يحدث، ولهذا فالمجلس الانتقالي الجنوبي كان نموذجا بديلا لهكذا موقف وطني جدير به ولابد منه بحيث كان تحركه وطنيا وسريعا بكل دقة وحكمة لإنقاذ الموقف في عدن خاصة والمواطن المطحون فيها بعد أن ذاق الأمرين بين فشل الحكومات المتتالية والصراعات الغير متناهية والمستفيد الوحيد منها هم من يتباكون عليها الان.
المجلس الانتقالي الجنوبي عبر عن (إرادة الانسان) إرادة شعب الجنوب المظلوم بشكل عام ومنذ زمن ليس بقصير، وكذلك عن مظالم كثيرة كانت ستضيف الكثير ايضا لما نحن عليه لو لم يتدخل في الوقت المناسب، علما بأنه – المجلس الانتقالي – كان ولازال هو صمام أمان ارض وشعب الجنوب وما قد قام ويقوم به خير دليل على ذلك، كم انه أرجأ أكثر من مرة هكذا تدخل حاسم من أجل المصلحة العامة وليس غير ذلك كما يتلاعب البعض في تسمياتهم المصلحية الذاتية الضيقة.
أما بخصوص التحالف العربي فأعتقد أنه قد قام بمسؤولياته كاملة أي كان ما يتحدث عنه أو يدعيه هذا أو ذاك من هنا أوهناك إيجابا أو سلبا الا أنهم في التحالف عملوا جاهدين بما يجب عليهم فعله لوجستيا وعسكريا وفق مهامهم المنوطة بهم كتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة الأكثر ملامسة للواقع واستشعارا ومساندة للقضية الجنوبية ولشعبها المكلوم، وبما لم تقدمه لهم الشرعية لأجل التعاون معهم في ضبط الأمور الداخلية على واقع العمل الحكومي وإدارة مؤسسات الدولة والقضايا المالية المتعثرة بالشكل المطلوب ولو أخلاقيا، وعليه فشلت الشرعية فشلا ذريعا في التقدم عسكريا نحو تحرير صنعاء بما أتفق معها وكل ذلك كان بسبب الفساد الكبير الذي يحدث ويتحدث عنه العالم أجمع بما لا يتوقعه أحد....
تمت الأمور مؤخرا بما كان يجب أن يحدث في أي بقعة في العالم ولكننا هنا وفي عدن بالرغم من نجاح المشروع الوطني الجنوبي في التفاف الشارع مع المجلس الانتقالي الا أننا نحتاج أيضا لبعض من التأني والدراية والعون لإدارة الأوضاع في مجالات الحياة المختلفة كالاقتصادية والأمنية والقضائية والتعليمية والصحية والخدمية وغيرها مما له من دور وأهمية للمجتمع وأن تمنح فرصة للكادر الوطني من عدن وغيرها من المحافظات الجنوبية التي همشتها الأنظمة السابقة نتيجة للوطنية التي اتسموا بها.
فلنمنح المجلس الانتقالي الجنوبي فرصة الإدارة كنموذج مطلوب شعبيا بل ودعمه أيضا والوقوف معه لأجل قضية تهمنا جميعا محليا كما نود أن يهتم بها أيضا أشقائنا إقليميا ودوليا نحو تقرير المصير لمستقبل الاجيال والاوطان بدون صراعات أو نزاعات مسلحة كما يحدث الان وكفانا ما كنا فيه وصار حالنا عليه اليوم.
كما نعبر عن استيائنا الشديد لما يطلقه بعض من أصوليي الرجعية الشمالية من فتاوى العداء والتحريض على القتل واستباحة الأراضي والحرمات وخاصة فتاويهم الأخيرة للزحف نحو الجنوب والى عدن (بحيث أرادوا بحركتهم هذه الاستيلاء على أراضي الجنوب وأدارتها من قبلهم تعشما بمواصلة الفيد الذي اعتادوا عليه كما كان عليه الحال بعد حرب 1994م وكذلك 2015م متخفيين تحت أغطية مختلفة ومنها بشكل رئيسي في المراكز العليا في الدولة) والتي تنم عن كراهية وحقد دفين على الجنوب وشعبه باسم الدين الذي هو براء منهم، وعليه نتوجه لكافة القوى الوطنية اليمنية بأن يتفرغوا لمعالجة قضاياهم الوطنية والتنموية وأن يبتعدوا كل الابتعاد عن معاداة المشاريع الوطنية الأخرى المجاورة لهم والتي لا تكن لهم الا كل خير.
وفي الاخير سيكون التقدير كبير لكل من ساهم في الحفاظ على القضية الجنوبية كقضية ومصير لشعب الجنوب محليا وعربيا ودوليا وعليه ستتم المعاملة بالمثل بل وأفضل من ذلك بكثير من كرم في التسامح والمحبة مع طي صفحة الماضي الأليم، والاتجاه نحو التفرغ التام لبناء دولة الجنوب بمفهومها الدولي في أمن شامل واقتصادا وتجارة ونماء مجتمعي وخدمي متميز توافقا مع من حولنا من الاشقاء في الجزيرة العربية ممثلة بمجلس التعاون الخليجي الذي وضع بصمته الواضحة الجلية في أعماقنا روحا ودما...لهذا ومن الأكيد أننا سنحتاجهم دائما كما سنكون نحن بالنسبة لهم ومعهم بل ولأكثر من ذلك بكثير.

د. لؤي عبدالباري قاسم
كلية الحقوق -جامعة عدن-