كتابات وآراء


16 أكتوبر, 2019 12:27:58 م

كُتب بواسطة : أحمد صالح الدغاري - ارشيف الكاتب


في البداية، أهنئ أبناء الجنوب جميعاً باليوم الوطني الـ «56» لثورة الرابع عشر من أكتوبر، والتي لا يختلف أثنين على أنها قد نقلت الجنوب آنذاك من عهد التخلف والجهل والتفتت والتشرذم والاقتتال القبلي في ظل الوجود البريطاني إلى عصر الدولة والقانون والوئام والطموح والتعليم والتنمية الحقيقية بصفة عامة.
وفي هذه المناسبة أجدها فرصة لإعادة النظر في قضايا مهمة في حياتنا اليوم بعد كل ما خضناه من تجارب جميلة وأخرى مريرة جداً على النفس الأبية والتواقة إلى العيش بكرامة وسلام، ونكسات سياسية تسببت في تدهور سياسي واقتصادي واجتماعي إلى درجة مخيفة لم نكن نتصورها على الإطلاق قبل ان تصبح واقع معاش، وضياع كل المكتسبات السابقة للأسف الشديد، وعاد التخلف والجهل والتفتت على الرغم إننا قد دلفنا إلى أبواب القرن الحادي والعشرين.
أعتقد أن أول درس يمكن أن نتعلمه من كل تلك التجارب التي مرينا بها هو أن العيش في الماضي واتخاذ المقابر مسكن لا يمكن أن ينفع الإنسان، بل أنه يكبله بالقيود ويجعله أسير في زمن مضى، ويمنعه من المضي قدماً إلى آفاق المستقبل الرحبة. وكل ما يمكن أن نفعله تجاه الماضي هو إعادة قراءته بصورة عقلانية وعقل متفتح للاستفادة من تجاربه ودروسه بدون مبالغة في الغوص في تفاصيله حتى لا يتحول إلى هوس أو عادة على حساب الحاضر والمستقبل.
أما الحاضر، فيتطلب منا فهمه بكل واقعية وحنكة وصبر وثبات وطموح، فالحاضر ماثل أمامنا ونعايشه اليوم بكل ما فيه من مشاكل وعقبات وتحديات، ويتطلب تطوير الأداء السياسي بما يتناسب مع أدوات العصر.. ومن باب الإنصاف، فإننا نرى اليوم المجلس الانتقالي الجنوبي ومن خلال تجربته القصيرة جداً قد تمكن من تطوير وعيه وأداءه السياسي وخبرته الإدارية في غضون فترة وجيزة، ويظهر ذلك جلياً من خلال الخطاب السياسي الرزين والمتوازن والذي يعكس صورة إيجابية أمام المجتمع الدولي، وينسجم مع لغة العصر، ويتواكب مع السياسات والظواهر الدولية الراهنة.
وما يدعو اليوم للارتياح هو أن الجيل الجديد من أبناءنا -وفي ظل عالم يتغير بوتيرة متسارعة- قد تعلم الكثير بتأثير التطور التكنولوجي ووسائل الاتصالات الحديثة والتقدم الرقمي، وبذلك أدرك جيل المستقبل بأنه له الحق في أن يعيش حياة كريمة مفعمة بالطموح والعزة والشموخ، وأدرك كيف يعيش العالم والجيران من حولنا، وفهم ما يجب وما لا يجب، ولم يعد يصدق الأكاذيب والشعارات القومية التي قد يأتي ويروج لها أي سياسي انتهازي براغماتي.
والدرس المهم اليوم الذي أصبح فهمة حاجة ملحة علينا جميعاً وعلى أبنائنا من الجيل الجديد هو ضرورة النظر إلى المستقبل، وترك الماضي خلف ظهورنا، والنظر إلى الأمام بكل يقين وإيمان وثقة بالله سبحانه وتعالى والذي قال في محكم كتابه «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ».
نحن أهل الجنوب بحاجة -وكذلك أهل الشمال- إلى النظر إلى المستقبل وآفاقه الرحبة، ومحاولة استشراف واستكشاف ملامح المستقبل، والتخلص من الحنين السلبي إلى الماضي ومغادرة مقابره، والتخلص من قيود الماضي وأفكاره التقليدية، والانطلاق إلى المستقبل من خلال قبول الأفكار الجديدة، وصناعة الحلول المبتكرة لتغيير الواقع المعاش، والقبول بنُظم عالم اليوم ولغة العصر، وأفكار المستقبل.
وأعتقد في هذا السياق أن القول بعودة عدن أو عودة الجنوب أو عودة دولة الجنوب هي عبارات قاصرة على الأقل لغوياً، فالزمن لا يمكن أن يعود، ولا يمكن أن تدور الكرة الأرضية بعكس اتجاهها، ولا يمكن أن تعود أي مرحلة زمنية خلت، ولا يوجد على وجه الأرض من بيده القدرة على إعادتنا إلى عقد الأربعينيات من القرن الماضي على سبيل المثال، كما لا توجد لدينا آلة زمن يمكن أن ترسلنا إلى الماضي.
وقد تستغرب عزيزي القارئ من هذا الطرح، وتفهمه على غير حقيقته، ولكن قبولك بضرورة النظر إلى المستقبل والاستعداد له ستجعلك أكثر انفتاحاً لفهم مثل هذا الطرح.. بدلاً عن القول بعودة دولة الجنوب التي يحورها بعض الإعلاميين بأنها عودة إلى الماضي وهو أمر غير منطقي، ينبغي أن نقول سنمضي قدماً في خط المستقبل لنبني عدن التي نريد ونحب أن تكون، سنمضي قدماً لبناء دولتنا الجنوبية المستقبلية التي نطمح.. ونحن بذلك ذاهبون إلى المستقبل وليس إلى الماضي، وكل ما يجري في حياتنا اليوم هو جزء من بناء المستقبل والإعداد له، وليس ذهاباً إلى الماضي، وبالتالي فالحديث عن عودة الاستعمار أو عودة الاشتراكية ما هو إلا جزء من دعاية إعلامية وترويج يقوم به بعض المتربصين.
ولذلك وفي هذه المناسبة العزيزة والغالية على قلوبنا جميعاً، أدعو الجميع إلى مخاطبة الجيل الصاعد بلغة اليوم ولغة العصر وهو جيل كريم ونبيل يستحق دولة توفر له الحياة الكريمة وتثير في نفسه مشاعر الحرية والطموح والفخر وتحفظ عزة نفسه، ولغة العالم اليوم هي لغة المستقبل، فالعالم كله يعمل جاهداً وبشغف لتصور المستقبل والاستعداد له في ظل التطور الرقمي وظهور الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات التي غيرت وجه العالم من حولنا.

*وكيل محافظة شبوة
ahmadaldghary@gmail.com