كتابات وآراء


23 أكتوبر, 2019 01:51:55 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


مضى ما يقارب السنوات الخمس منذ انطلاق الحملة العسكرية للتحالف العربي في اليمن تحت اسم ما صار يعرف بـ"عاصفة الحزم" التي استهدفت إنهاء حالة الانقلاب التي نفذها تحالف الرئيس السابق علي عبد الله صالح مع الجماعة الحوثية ضد السلطة الشرعية بقيادة الرئيس المستفتى عليه حينها المشير عبد ربه منصور هادي.
وقد توقع كثيرون أن عاصفة الحزم ستحقق أهدافها خلال فترة قد لا تتجاوز العام، خصوصا وأن ضربتها الأولى كانت فعلا عاصفة وقاصمة للتحالف الانقلابي، بيد إن الأمور لم تسر كما خطط لها ولا كما تمناها خصوم التحالف الانقلابي.
بعيدا عن مناقرات الإعلاميين وحجج المتحججين وتبريرات السياسيين فقد نشأت معادلات مختلفة عما رسمه المتصارعون وبرزت حقائق جاءت مخالفة لما كان يراه من يتابعون الشأن اليمني وتعقيداته أهمها:
1. حسم المعركة في الجنوب مع الطرف الانقلابي خلال أقل من مائة يوم رغم عدم التكافؤ في العدة والعتاد والخبرة القتالية والكثافة البشرية، وقد لجأ كثيرون من أنصار الطرفين إلى اختيار أقصر الطرق لتفسير ما جرى، وكانت نظرية "المؤامرة الإماراتية" هي الأسهل والأقرب والأقل كلفة، لكنها الحجة الأوهي والأعجز عن القابلية للفحص والتمحيص.
2. رغم تدمير قوة الطيران و الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية للانقلابيين منذ الضربة الأولى بقي التحالف الانقلابي قوياً ومتماسكاً وقادراً على امتصاص الضربات المؤلمة التي تلقاها على يد قوات التحالف العربي ونجح في حشد أنصار ومؤيدين لمؤازرته وأرغم آخرين على الانصياع لسياساته بالقوة بما في ذلك التجنيد الإجباري واستخدام الأطفال واليافعين في الحرب والإمساك بكل محافظات الشمال تقريباً، باستثناء أجزاء من محافظة مأرب وبعض مديريات الجوف وبعض مديريات تعز، ومديريات الساحل الغربي في محافظة الحديدة والأخيرة جرى تحريرها على أيدي المقتاومتين الجنوبية والتهامية، بعيداً عن مشاركة الجيش المحسوب على وزارة دفاع الشرعية، وكل تلك مناطق لا تخضع للرئيس عبدربه منصور هادي وإنما تتخاطفها جماعات مسلحة تقول أنها مؤيدة للشرعية، ولكلً منها تفسيره لمفردة "الشرعية"
3. وبعد انفراط عقد التحالف بين أتباع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وبين الحوثيين والتصفية الجسدية لصالح نفسه على أيدي الحوثيين، وإعلان الكثير من أنصاره الانضمام لمعسكر الشرعية توقع الكثيرون أن كفة ميزان "الشرعية" قد رجحت, وأن حسم الأمر مع الحوثيين قد صار وشيكاً بيد إن شيئا من هذا لم يحصل، وما حصل هو تنامي العمليات الحوثية ضد التحالف العربي وضد السعودية على وجد الخصوص حتى غدت تشكلُ خطراً حقيقيا على الاقتصاد السعودي وعلى تجارة النفط الدولية.
هذه المعطيات ومعطيات أخرى تبين أن حسابات أطراف النزاع ، وأخص هنا قادة التحالف العربي، ومعها قوات "الشرعية" اليمنية تقوم على معطيات خاطئة، معطيات لا تأخذ بالحقائق المرئية وغير المرئية على الأرض، بل تستند على مسلمات وهمية استهلكها الزمن واستنفدت قدرتها على الفعل وقيمها الفعل في وعي الناس وحياتهم.
ذلك ما سأتوقف عنده في منشور قادم بعون الله.

همس اليراع

إلى أين تتجه البوصلة؟ 2

هناك مقولة بديهية من مقولات علم المنطق منذ أن ابتكره المعلم الأول "آرسطوطيل" تقول إن "المقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة" فأنت لا يمكن أن تزرع شوكاً لتحصد منه عنبا، ولا يمكن أن تستولد مهراً من تلاقح القرد وأنثاه.
وكنا قد أشرنا في تناولة سابقة إلى مجموعة من المعطيات التي تبين أن حسابات أطراف النزاع ، وخصوصا الأشقاء في التحالف العربي لا تأخذ بالحقائق المرئية وغير المرئية على الأرض، بل تستند على مفاهيم وفرضيات متعالية استهلكها الزمن واستنفدت قدرتها على الفعل وخسرت قيمها الفعلية في وعي الناس وحياتهم.
وأهم هذه المفاهيم والفرضيات:
1. مفهوم وحدة اليمن واستقراره.
إن هذا المفهوم تحول إلى ما يشبه التعبيرات الطقوسية التي يمارسها المتدينون في المعابد والكنائس وزيارات الأضرحة دون أن يولوا اهتماما لما تعنيه وما يمكن أن تجسده من حقائق على الأرض، فــ"وحدة اليمن" قد أثبتت فشلها لأسباب يمكن أن يتطلب استعراضها عشرات الصفحات، لكننا سنكتفي بالإشارة إلى أن محاولة توحيد الدولتين السابقتين (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية) قد فشلت منذ أيامها الأولى، ولم تصمد سوى ثلاث سنوات كانت الترقيعات والمسكنات والمغذيات الاصطناعية هي من أبقتها على قيد الحياة، وجاءت حرب 94م وغزو الجنوب واحتلاله وما تلى ذلك من سياسات إجرامية بحق الجنوب والجنوبيين لتؤكد نهاية "وحدة اليمن" ولتحول ذلك المشروع إلى غزو واحتلال واستباحة المحلل والمحرم على هذه الأرض الجنوبية.
ومن هنا فإنه وفي ضوء نتائج حروب غزو واحتلال الجنوب ونتائج حرب 2015م، إن الرهان على إنه يمكن لعاصفة الحزم أن تعيد دولة 1994م أو دولة ما قبل 2015م أو حتى دولة 1990م، إنما يمثل مضيعة للوقت وتبديد للجهد وتكريس لمزيد من المعاناة الإنسانية لكل اليمنيين في الشمال والجنوب، وإهدار قدرات وطاقات الأشقاء في دول التحالف في سبيل هدفٍ لا أرضية له ولا ضمان لنجاحه ولا مقومات لبقائه على قيد الحياة.
2. فرضية الرهان على الوجهاء والمشائخ وزعماء القبائل في مناطق الشمال.
وهي سياسة ظل الأشقاء يتبنونها منذ نهاية الحرب بين المملكتين (العربية السعودية والمتوكلية اليمنية) في ثلاثينات القرن الماضي، هذه السياسة تقوم على افتراض أن كسب زعيم القبيلة أو العشيرة سيضمن كسب كل أفراد القبيلة، وبالتالي فإن كسب كل أو معظم المشائخ والوجهاء سيعني كسب كل الشعب اليمني، وقد نجحت هذه السياسة إلى حد ما في زمن من الأزمة لكن هذه الفرضية بمرور الزمن افتقدت جدواها لسببين: الأول أن معظم زعماء القبائل والعشائر من مشائخ ووجهاء ليسوا دائما أوفياء بما يتعهدون به، فهم إذ يستفيدون من دعم طرف من الأطراف المتصارعة، لا يوجد لديهم مانع من التعامل مع أعداء هذا الطرف إذا ما وجدوا لديهم مصلحة أفضل من المصلحة السابقة، وقد يتعاملون مع الطرفين دونما أدنى شعور بالحرج، وقد حصل هذا أثناء الحرب بين الملكيين والجمهوريين في الستينات من القرن الماضي وتعاملهم مع القوات المصرية التي جاءت لدعم الجمهورية وخسرت عشرات آلاف الشهداء ليس على يد الملكيين بل على أيدي الجمهوريين (المفترضين) الذين جاءت لإسنادهم، وحينها عرفت المقولة الشهيرة "جمهوريون نهاراً ملكيون ليلاً" كما شاهدنا كيف تسارع معظم هؤلاء المشائخ والوجهاء لإعلان فروض الولاء والطاعة للجماعة الحوثية رغم إنهم ظلوا يتغنون بالثورة والجمهورية ويلعنون الكهنوت والنظام الإمامي السلالي لأكثر من نصف قرن، ورأينا كيف صمتوا بعد مقتل الرئيس السابق صالح ولم ينبسوا ببنت شفة، رغم إنهم كانوا حتى قبل أسابيع من تصفيته يهتفون "بالروح والدم نفديك يا علي"، والسبب الثاني هو إن جيلاً جديداً من "الرعايا" في المناطق القبلية، (وكل الشمال مناطق قبلية) قد نشأ في ظل معاناة وتدهور متطلبات المعيشة وأدرك أفراد هذا الجيل أن زعماءهم القبلييين يستثمرون باسمهم ويثرون على حساب معاناتهم ويتاجرون بآلامهم، ولذلك فلم يعودوا يولونهم الثقة والطاعة، كما كان يفعل آباؤهم وأجدادهم، لكن جزءً كبيراً من هذا الجيل للآسف لم يتحررر بعد من ثقافة "من تزوج أمي فهو عمي" أو "نحن مع من يدفع أكثر" بل إن الكثير منهم قد انخرطوا في المشروع الحوثي وساهموا في تفجير منازل وممتلكات زعمائهم القبليين الذين هربوا مع الشرعية ليس استياءً من هؤلاء الزعماء ولكن تماشياً مع الوضع الجديد وسيفعلون الشيء نفسه مع الحوثييين إذا ما انهزم مشروعم..
وملخص هذه الحقيقة أن الرهان على تلك الزعامات والوجاهات الزئبقية لم يعد ذا جدوى فمعظم أفرادها إما عديمي التأثير والحضور إلا في سجلات استلام الإكراميات (الشقيقة) وإما متعاونين مع المشروع الحوثي وفي الحالتين يظل الرهان عليهم رهان على أحصنة خاسرة وهذا ما أكدته مجريات الأحداث على مدى خمس سنوات من عمر عاصفة الحزم.
وللحديث بقية