كتابات وآراء


30 ديسمبر, 2019 11:06:29 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


1
هناك موقفان متطرفان في اليمن فيما يخص العلاقة بين الشمال والجنوب.
يرى الموقف الأول أن الجنوب فرعٌ كان خارج عن الأصل وكان ينبغي أن يعود إلى الأصل وقد جاءت هذه العودة في عام 1990 وتعمدت بالدم في العام 1994م ويعلم الجميع ما يتناسل عن هذا الموقف من مواقف هي التي تستدعي الحرب والقتل والغزو والهيمنة واستمرار الحالة العدائية بين الجنوب والشمال وتفشل الطبقة السياسية في معالجة جذر هذه التناسلات وهناك للأسف الشديد من يسعى لتكريسها وتحشيد الملايين حولها من الممسكين بصناعة الوعي وإنتاج القرار السياسي وهم ليسوا فقط شماليين بل بينهم بعض الجنوبيين.
ويرى أصحاب الموقف الثاني أن كل ما يجمع بين الشمال (ويسميه البعض اليمن) هو الحرب والغزو والعداء والتناحر وأنه لا خير في أية علاقة بين الطرفين.
هذه الثنائية المتطرفة تترك تأثيراً قاتلاً في ثقافة التعايش والتواؤم ومد الجسور والتعاون وبناء القواسم المشتركة التي ليست وليدة اليوم ولا تحتاج إلى استدعاء وتأصيل بل هي قائمة منذ أزمنة غابرة مثل أية علاقة بين شعبين جارين شقيقين بعيدا عن التسييس والتنميط الحزبي والأيديولوجي
لن أناقش أصحاب الموقف الأول فقد قلت الكثير فيه ويقيني أن هؤلاءِ يستمدون رؤيتهم من خلفية أيديولوجية عالمية، مدعومة ببعض أصحاب المصالح غير المشروعة التي بنوها من خلال ثقافة "الفرع والأصل" و"الوحدة أو الموت" و"الوحدة المعمدة بالدم" لكنني أعاتب بعض نشطاء التواصل الاجتماعي الجنوبيين وبعضهم متعلمون وأصحاب مواقع سياسية وذوي شهادات علمية عليا من بينهم أساتذة جامعيون.
ثقافة "إما أبيض خالص أو أسود خالص" وليدة جذور أخرى تقوم على عدم الإيمان بالاختلاف والتنوع باعتباره سنة من سنن الكون، لكنها عندما تقترن بالظلم السياسي والاجتمماعي والاجتياحات وكوارث الغزو والاستحواذ وما يترتب عليها من تداعيات قاتلة فإنها تتحول إلى عقيدة فكرية مدمرة، ويعزز من حضورها غياب البدائل الحداثية التي تبني الفكر العلمي الممنهج والرصين والمنفتح البعيد عن المسلمات والعصبيات بمختلف خلفياتها.
وللأسف الشديد لقد نجحت مراكز الغش والتغشيش الفكري والتضليل السياسي والإعلامي في استدراج الكثير من الشباب حديثي العلاقة بالفكر السياسي وتكوين ثقافة محشوة بالعدائية وقائمة على البحث عن الأعداء بدلا من استقطاب الأنصار والأصدقاء، ولم تكتف هذه المراكز المفخخة بوضع الجنوب (كل الجنوب) في مواجهة الشمال (كل الشمال) بل راحت تستدعي الكثير من الأخطاء والهفوات والشطحات والصراعات الجنوبية_الجنوبية، بل وتتبرع من عندها بإضافات مجانية في محاولة لإقناع الجنوبيين بأن تلك هي أسباب ما يعيشه الجنوب من معاناة لا حدود لها، وليس الغزو والغزاة وسياسة السلب والنهب والضم والإلحاق والتهميش والإقصاء.
وهذا ما سنتوقف عنده في تناولة لاحقة

2

ثنائية الشمال والجنوب 2

أعود مرة أخرى للتوقف عندما كنت قد تناولته في وقفة سابقة عن ثنائية الشمال والجنوب وأشير إلى الحقائق التالية:
* إن اليمن كمعنى جغرافي يوجد في العديد من الأدبيات التاريخية منذ عصر اليونان، لكنه لم يكن يطلق على اسم أي من الدول التي شهدتها اليمن، فكل كتب التاريخ تتحدث عن دولة معين ودولة سبا ودولة حمير ومثلها قتبان وكندة وأوسان، وكان بعض المؤرخين يضيفون إلى بعض الدول صفة اليمنية، للإشارة إلى إن هذه الدول توجد في المنطقة المسماة اليمن والتي تشمل كل ما يقع جنوب الكعبة، مقارنةً مع الشام التي تعني كل المناطق الواقعة شمال الكعبة، وهذه المسميات لا علاقة لها بظهور الإسلام وقيام الدولة الإسلامية فالكعبة موجودة منذ ما قبل نبي االله إبراهيم وشمال الكعبة وجنوبها تبعا لذلك موجودان ولا يحتاج ألأمر إلى المزيد من البراهين والحجج.
* إن اليمن بالمعنيين التاريخي والجغرافي لا تعني الجمهورية اليمنية ولا الجمهورية العربية اليمنية، التي اتخذت عدة أسماء قبل ثورة سبتمبر منها المملكة المتوكلية الهاشمية ثم المملكة المتوكلية اليمنية، ناهيك عن الدويلات اليعفرية والزيادية والنجاحية والقاسمية والصليحية وسواها.
* إن كون الجنوب (الذي دخل المحاولة الوحدوية الفاشلة باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وقبلها إمارات أو محميات ومشيخات وسلطنات الجنوب العربي) إن كون هذا الجنوب قد اتخذ اسم جنوب اليمن ذات يوم أو سيحتفظ به اليوم أو في الغد، كل هذا لا يقتضي بالضرورة أن الجنوب تابع للدولة اليمنية في صنعاء ولا هو فرعٌ لها ولا جزءٌ منها سواءٌ ما قبل ثورة سبتمبر أو ما بعدها، وإذا كان حلم الوحدة اليمنية قد جاء في سياق مجموعة الأحلام القومية والعروبية والإسلامية الجميلة فإن هذا الحلم قد برهنت الوقائع أنه كان مفارقا للواقع متعاليا على تعقيداته وملابساته وقانونياته الصارمة، وكان ينبغي أن يظل حلما كإسمه، وقد تبين فيما بعد كم كلف الشعبين في الشمال والجنوب من مظالم وجرائم وآلام ودماء وأرواح لا يمكن التعويض عنها مهما فعل الفاعلون.
* ونعلم جميعا أن ثنائية الشمال والجنوب لم تكن موجودة أصلا إلا في أدبيات بعض التنظيمات القومية واليسارية، في حين ظل اسم اليمن يطلق على الجمهورية العربية اليمنية وقبلها المملكة المتوكلية (الهاشمية فاليمنية)، بينما ظل الجنوب يعرف بسلطناته ومشيخاته وإماراته المتفرقة ولم يعرف كجنوب لليمن إلا بعد ثورة سبتمبر وبالأخص بعد اندلاع ثورة أوكتوبر والدعم المصري لها بقيادة الزعيم القومي ذي النزعة الوحدوية العروبية الراحل جمال عبد اللناصر عليه رحمة الله، والذي شجع التنظيمات السياسية على اتخاذ تسميات تنظيمات تحرير جنوب اليمن (مثل منظمة ثم جبهة تحرير جنوب اليمن، والجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن) المحتل
لقد أردت التوقف عند هذه الحقائق لإبداء رأيي في ما يخص النزاعات والمماحكات والمواجهات التي يثيرها بعض المهووسين بفكرة "الواحدية" التي روجها إعلام نظام 7/7 وكذا بعض الحساسيات التي يثيرها هذه الحقائق لدى الشباب الجنوبيين المتحمسين الذين يعتبرون مفردة اليمن نفسها عدوا لدودا لهم.
وسأتوقف قريبا عند الاختلالات التي تكتسح الخطاب الإعلامي ليس فقط للناشطين في شبكة التواصل الاجتماعي بل والخطاب السياسي للرسميين ومنهم قادة حزبيين ووزراء ونشطاء ميدانيين معروفون.
فإلى اللقاء