كتابات وآراء


01 يونيو, 2020 11:42:06 م

كُتب بواسطة : د. علي صالح الخلاقي - ارشيف الكاتب


هناك رجال وهامات وطنية من ذوي المواقف المشرفة، ومن رموز الحركة الوطنية، ممن عركتهم الأحداث وقهروا المستحيل، فَضَّلوا حياة الزهد والعيش بعيداً عن الأضواء، رغم عظمة مواقفهم وجليل أعمالهم، مقارنة بكثير من أدعياء النضال ممن يطلون علينا في مناسبات كثيرة يتحدثون عن أنفسهم ويصطنعون بطولات كثيرة ويغفلون مواقف الأبطال الحقيقيين، رغم تواضع رصيدهم مقارنة بأمثال أولئك الأفذاذ كفقيدنا الراحل قبل الأوان، رجل المواقف الصلبة، المناضل والإنسان، محسن صالح علي أحمد العبادي الذي غادرنا بغتة، ففقدنا برحيله أحد أبطال زمننا في هذا الظرف العصيب الذي نحتاج فيه لمشورته وحكمته والاستفادة من تجاربه المتراكمة، التي جعلت منه مناضلاً استثنائياً، صلباً، ثابتاً على مبدأه ومخلصاً لقضية وطنه التي أفنى جل عمره من أجلها، وحملها معه في سويداء قلبه في منافيه ومهجره الذي لجأ إليه كرهاً، حتى لقي ربه في شيكاغو في 21مايو 2020م.


ينتمي الفقيد إلى أسرة عريقة تنتشر بيوتها في أرجاء يافع، وتعود أصولها إلى حضرموت، وتحديداً منطقة الغَرفة بوادي حضرموت الذي استوطنها جدهم الشيخ العلامة عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن عباد ويعرفون ذريته بآل باعباد، وآل العبادي, ومنذ وصولهم إلى يافع حملوا مشعل العلم والفقه والتنوير وانتشروا في مناطق يافع المختلفة، ولهم أربطتهم المعروفة باسمهم مثل (رباط العبادي) في لبعوس، وفي يهر وفي غيرها. وفقيدنا الراحل اللواء الركن محسن صالح العبادي من هذه السلالة العريقة الطيبة.

ولد في قرية (المعزبة) إحدى قرى مكتب الحضرمي، والواقعة ببيوتها النائفة في ضفاف وادي حطيب الشهير بزراعة البُن، وفي مسقط رأسه التحق بكُتَّاب القرية(المعلامة) وحينما اشتد عوده وبلغ الخامسة عشر من عمره غي العام 1955م غادر مسقط رأسه برفقة والده في رحلة اغتراب إلى دولة قطر، وهناك التحق جندياً في الجيش القطري، وحرص على مواصلة تعليمه الإعدادي والثانوي خلال فترة خدمته، ونمى وعيه الثقافي والمعرفي من خلال تثقيف نفسه وحبه للاطلاع والمعرفة وتأثر بنمو الوعي التحرري الذي تركته ثورة مصرها وزعيمها جمال عبدالناصر، فآثر العودة من مهجره إلى الوطن الذي كان يرزح حينها تحت سيطرة الاستعمار البريطاني، وفي عدن اختار الالتحاق في جيش اتحاد الجنوب العربي وعمل مدرساً في مدرسة الجيش، ثم حصل على فرصة لمواصلة تأهيله العسكري في كلية الحرب العليا في الأردن، وتخرج بامتياز، وهو يعد من الكفاءات العسكرية القلية التي حصلت على مثل هذا التأهيل، وكان صاحب كلمة مسموعة في وسط القيادات العسكرية أمثال حسين عثمان عشال ومحمد سعيد شنظور وعلي عنتر وصالح أبوبكر بن حسينون وصالح مصلح وغيرهم كثيرين من رفاقه دربه، وقد أسهم مع رعيل المناضلين العسكريين في انتصار ثورة 14 أكتوبر وصنع فجر الاستقلال..

وبعد الاستقلال الوطني الذي كان أحد صناعه الأبطال تدرج الفقيد في العديد من المراتب القيادية العسكرية، وكان أحد مؤسسي القوات المسلحة الجنوبية لما امتلكه من تأهيل مسبق وحماسة وإخلاص، وتبوأ منصب أركان حرب كتيبة ١٧ ، ثم قائدا للكتيبة، ثم ركن استطلاع لمحور العبر.

ويتذكر رفاق دربه صلابة هذا المناضل وروحه المعنوية العالية حتى في أصعب الظروف، حينما وقع بالأسر بعد حرب "الشرورة" وما تعرض له من تعذيب يفوق الوصف، الأمر الذي دفعه للمغامرة وركوب الخطر غير عابئ بالعواقب المترتبة التي لن تكون أسوأ من معاناته في غياهب السجن، وكان له ما أراد إذ تسلق أسوار قلعة السجن المحصنة والعالية متحملاً ما نتج عن ذلك من رضوض في العمود الفقري ظل يعاني من آلامها طوال حياته. كما حل ضيفا في سجن الأمن المركزي بصنعاء في عهد سيئ الذكر محمد خميس حتى تم الافراج عنه بتدخل من الرئيس سالم ربيع علي والرئيس الحمدي، وبعد عودته تدرج في عدد من المسئوليات، والتحق للتأهيل في اكاديمية العلوم السياسية والاجتماعية في موسكو، وآخر منصب شغله نائباً لوزير الخدمة المدنية بعد الوحدة المشؤومة وقد وقف ضد الانحراف الذي لحق بالوحدة منذ بداية المرحلة الانتقالية، وحذر من هيمنة قوى النفوذ الزيدية وسعيها لاستبعاد الشركاء الجنوبيين قبل أن يقع الفأس بالرأس، وهو ما حدث بعد حرب اجتياح الجنوب عام 1994م.

واصل الفقيد العبادي نضاله بلا كلل ضد قوى الاحتلال الشمالية التي احتلت الجنوب وجعلته ساحة نهب وسلب وفيد وعملت جاهدة على محو الهوية الجنوبية بكل ما أوتيت من قوة، وهو ما لقي رفض ومقاومة الجنوبيين، عبر وسائل متعددة الأشكال أخذت تتصاعد تدريجياً وتنمو بذرتها حتى أصبحت ثورة عارمة. ورغم حالة الفقيد الصحية وخضوعه للعلاج في رحلات إلى الهند والمجر والقاهرة، إلا أنه تسامى على آلامه، وجعل همّه الأول إعادة الثقة في نفوس الجنوبيين وزرع روح المقاومة لاستعادة دولتهم من براثن الاحتلال، ولم يفقد الأمل يوماً بانتصار هذا الهدف البذي عمل من أجله مع كل الشخصيات الوطنية، وأسهم بقسطه الهام في تأسيس حركة (موج) ثم حركة (حتم) وهو ما أشعل شرارة الثورة الجنوبية السلمية ضد نظام الاحتلال، كما تفاعل مع كل لقاء أو مؤتمر جنوبي مثمر على ذات الطريق وكان عامل تقريب لكل الشخصيات والمكونات الجنوبية لما يتمتع به من نزاهة وإخلاص تضع مصلحة الجنوب فوق كل اعتبار.

حينما التقيته في القاهرة في نوفمبر من العام 2018م، بعد أن قدم في زيارة إليها من شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية التي استقر فيها بعد محطات في عدة بلدان منذ أن غادر الوطن عقب حرب احتلال الجنوب عام ١٩٩٤ مثله مثل الآلاف من الكفاءات الجنوبية، سررت إيّما سرور للقاء هذه الهامة الجنوبية الفذة، ذات التاريخ الناصع والمواقف الشجاعة المشرفة، وتسنى لي اللقاء به في جلسات عديدة في مساءات القاهرة، بحكم تجاور سكننا، وكنت حريصاً على أن استمع واستمتع بحديث ذكرياته المليئة بالتجارب والعبر، طوال مراحل النضال الوطني التي بدأها مقاوماً ضد الاستعمار البريطاني مع رفاقه أبطال الرعيل الأول للثورة، ثم خلال بناء الدولة الوطنية المستقلة بعد الاستقلال الوطني، ولأنني ممن يعرف هذا المناضل الفذ وسمعت كثيراً عن بطولاته وسيرته التي تتردد على لسان كل من عرفه أو عمل معه، فقد طلبت منه أن لا يبخل بتدوين سيرته وذكرياته، أسوة بما فعل رفيق دربه المناضل صالح فاضل الصلاحي، لتكون ملكاً للأجيال تتعلم منها معاني وقيم الحب للوطن والتضحية في سبيله بالغالي والرخيص، وأحسست بغصة في نفسي لخبر وفاته، ويبدو أن القضاء والقدر لم يمهل أبا نبيل لتحقيق هذه الأمنية، التي لو تمكن من القيام بها لمثَّلت إضافات نوعية يدونها في سجل تاريخنا الوطني المعاصر الذي كان أحد صناعه الأفذاذ.

ومذ أن افترقنا في القاهرة ظل التواصل بيننا عبر الوسائط، وكان لا يبخل بمداخلاته وملاحظاته التي تعبر عن حرصه على نجاح المجلس الانتقالي الجنوبي في الوصول إلى الهدف النبيل لشعبنا، وهو الحلم الذي عمل من أجله الفقيد وتمنى أن يتحقق في حياته، ليعود لقضاء بقية حياته في جنوب حر ، مستقل، وفي العاصمة عدن التي أحبها وعاش فيها معظم سنوات عمره ونضاله، وقد نفضت ركام سنوات الاحتلال الذي حولها إلى قرية، ولبست حلتها القشيبة كعروسة لبحر العرب، لكن الموت لم يهمله، فرحل عنا بعيداً، ولكن ستبقى ذكراه بيننا عاطرة ويظل اسمه خالداً في سفر نضالنا الوطني الملهم للأجيال من بعدنا.





د.علي صالح الخلاقي

عدن

1يونيو2020م