لم يكن إعلان زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي، تشاك شومر، أن حزبه سيعمل على إنهاء الحرب مع إيران مجرد تصريح عابر. فالديمقراطيون الذين حققوا أغلبية في مجلسي الكونغرس باتوا يمتلكون أدوات جديدة للضغط على الرئيس ترامب، من خلال التحكم في التمويل العسكري والتشريعات والتحقيقات، وربما دفع إدارته نحو تسوية سياسية مع طهران.
لكن السؤال الأهم هو: هل يريد الديمقراطيون وقف الحرب فقط، أم يسعون إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ في الشرق الأوسط عبر اتفاق أوسع مع إيران؟
الخليج: حلفاء بشروط
لا يمكن تجاهل أن العلاقة بين الديمقراطيين وعدد من حكام الخليج تتسم بحساسية سياسية واضحة. فداخل الحزب، خصوصاً جناحه التقدمي، توجد انتقادات لملفات حقوق الإنسان والحريات وصفقات السلاح والسياسات الخليجية في المنطقة. وقد ظهرت هذه المواقف خلال إدارة بايدن، في تعاملها مع السعودية والإمارات.
ولذلك، فإن أي تسوية أمريكية إيرانية قد تثير مخاوف خليجية من أن تتفاهم واشنطن وطهران على حساب أمن دول الخليج، خصوصاً إذا اقتصر الاتفاق على الملف النووي وتجاهل الصواريخ والطائرات المسيّرة ونفوذ إيران الإقليمي.
وفي اليمن، قد يؤدي إنهاء الحروب الإقليمية دون معالجة النفوذ الإيراني إلى منح الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم وتثبيت مكاسبهم السياسية والعسكرية. وقد تشجع واشنطن تسوية يمنية تتعامل معهم باعتبارهم طرفاً لا يمكن تجاوزه، في إطار رغبتها في تقليص انخراطها العسكري بالمنطقة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الديمقراطيين سيتساهلون مع الحوثيين، خصوصاً في ما يتعلق بتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
أما الجنوب، فتتمثل مخاوفه في أن تتحول التسوية الإقليمية إلى مدخل لإعادة إنتاج سلطة مركزية يمنية، دون معالجة القضية الجنوبية أو الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
فإذا تقاطعت رغبة واشنطن في إنهاء الصراعات مع مصالح قوى إقليمية تسعى إلى إعادة توحيد السلطة في اليمن، فقد يجد الجنوب نفسه مجدداً خارج حسابات التسوية، رغم أن تجاهل قضيته لن ينتج استقراراً دائماً.
ما بعد الحرب قد يكون أخطر من الحرب نفسها
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى فوز الديمقراطيين باعتباره مجرد تغيير في موازين القوى داخل الكونغرس، بل باعتباره احتمالاً لبداية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الالتزامات الأمريكية في الشرق الأوسط.
فالديمقراطيون يريدون إنهاء الحرب، لكنهم ليسوا بالضرورة راغبين في منح إيران انتصاراً استراتيجياً. كما أنهم ينتقدون بعض السياسات الخليجية، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عن الشراكة مع دول الخليج.
المشكلة بالنسبة للخليج والجنوب ليست في وقف الحرب بحد ذاته، وإنما في طبيعة الصفقة السياسية التي قد تأتي بعدها، والأطراف التي ستدفع ثمنها أو تحصد مكاسبها.
فقد تنتهي الحرب بين واشنطن وطهران، بينما تبدأ معركة أخرى على تقاسم النفوذ وترتيب خرائط المصالح في المنطقة. والسؤال: هل ستكون القضية الجنوبية حاضرة في هذه الترتيبات، أم ستجد نفسها مرة أخرى ضحية تسوية إقليمية لم تكن طرفاً في صياغتها؟