الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



من تاريخ عدن

الأحد - 05 يوليه 2020 - الساعة 01:31 م

كتب /جسّار فاروق مكاوي /المحامي

(الفصل الأوّل من الحكاية)
جميع دول البحر الأحمر عربية بنسبة شواطئ وصلت الي (84.2%)، عدا إريتريا بنسبة (15%) واسرائيل بنسبة (0.2%).
فالصراعات والحروب الطاحنة في الشرق الأوسط لذلك ، تكمن أهمية المضائق المائية البحرية في العالم من تلك المضائق �باب المندب� أكثر إحتضاناً للسفن ، حيث يربط البحر الأحمر بخليج عدن والبحر العربي ، والمحيط الهندي. المضائق في العالم: مضيق هرمز ، قناة السويس ، جبل طارق الذي يفصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ، ومضيقا الدردنيل والبسفور يفصلان بين آسيا وأوروبا ، أما المندب هو رابع الممرات من حيث عدد ناقلات النفط العملاقة التي تمر به يومياً.

يعتبر مضيق باب المندب النّقطة الفاصلة بين مياه المحيط الهندي، وخليج عدن ومياه البحر الأحمر، ويمتدّ هذا المضيق مسافة سبعة وعشرين كيلومتراً بين دولتي اليمن في آسيا، وجيبوتي في إفريقيا ، وتحديداً في اليمن من جزيرة بريم ورأس منهالي إلى رأس سيان قبالة سواحل جيبوتي ، وتعتبر جزيرة بريم اليمنيّة منطقةً تفصل باب المندب إلى قناتين : وهي قناة باب إسكندر الشّرقية، وقناة دقة المايون الغربية. يُذكر أنّ مضيق باب المندب يقع قبالة السّواحل الإفريقيّة الّتي تضمّ عدداً من الجزر الصّغيرة وتسمّى هذه الجزر بالأشقاء السّبع.

*عدن .. في ظّل أزمة سد النهضة..!
كتب الراحل عبدالقوي مكاوي بمؤلفاته أكثر من تصوّر وأبعد من رؤية حول أهمية مدينة عدن في الحدث السياسي من خلال موقعها الجغرافي الذي يعد القاعدة الأولى في نقطة الصراع عليها ، وفي أهميتها التاريخية التي تعطي لها حلقات إمتداد مع الآخر وتجعلها المركز الذي يتعامل مع الأطراف المختلفة القادمة إليها ليتحوّل المغاير فيها إلى صورة من الهوية في الطرف الجنوبي من اليمن .
والعمل السياسي المنطلق من عدن، كما يرى عبد القوي مكاوي، هو المحافظة على الهوية وقراءة الحدث من مستوى إدارك النظرة له.
وعدن في السياسة البريطانية من وجهة نظر المكاوي مدينة قادرة على تحمل المسؤولية من أجل خدمة الهدف العسكري، لأن الموقع الجغرافي في هذه الحسابات هو من يصنع القرار السياسي لذلك تظل عدن مدينة لا تسقط من الرؤية الغربية عندما تحين مراحل ترتيب الأوضاع في هذه المنطقة .

(الفصل الثاني من الحكاية )
ويذكر المكاوي أنه بتاريخ 27 فبراير 1838م كتب الحاكم البريطاني لبومباي رسالة إلى مجلس إدارة شركة الهند الشرقية التي أسست في عام 1600م بشأن عدن جاء فيها: �أن عدن بالنسبة لنا لا تقدر بثمن.. فهي تصلح كمخزن للفحم طيلة فصول السنة، ويمكن أن تكون ملتقى عاماً للسفن المستخدمة طريق البحر الأحمر، وقاعدة عسكرية قوية بواسطتها يمكننا أن نحمي ونستفيد من تجارة الخليج العربي والبحر الأحمر والساحل المصري المحاذي الغني بمنتجاته. وعدن كجبل طارق متى أصبحت في ايدينا ستكون صعبة المنال من البر والبحر. إنني انظر إلى الموضوع نظرة شاملة وبعمق كبير، فهناك أمتان كبريان تتآمران علينا وتودان القضاء على نفوذنا في الشرق.

الأولى روسيا القيصرية وتتجه نحونا من خلال ايران، والثانية فرنسا وتتجه الينا من خلال مصر، وحتى نتصدى لهذه التهديدات يتحتم على بريطانيا أن تعد لنفسها مراكز دفاعية خارج الحدود�.

ويطرح عبدالقوي مكاوي نظرته حول هذا الجانب قائلاً:

�ويرى المؤرخون البريطانيون أنه من غير المحتمل أن يكون (بالمرستون) قد اتخذ قرار الاستيلاء على عدن لمجرد الحاجة إلى محطة للفحم. صحيح أن عدن كانت محطة مهمة لتموين السفن بالوقود ونقطة تجمع للشرق الأوسط، إلا أنها تستمد أهميتها العظمى من موقعها الجغرافي كقاعدة للعمليات البحرية، كما أن تجارة بريطانيا الخارجية كانت في حاجة ماسة إلى خط مواصلات مضمون، وذلك بدوره يعتمد على وجود قواعد ساحلية يحسن اختيارها ويقوم بحراستها الاسطول الملكي البريطاني الكبير، ولذلك كانت عدن في نظر المؤرخين تتبوأ محوراً حيوياً على طريق البحر الأحمر المؤدي إلى الهند، وقد أرادتها بريطانيا بسبب صلاحيتها كمحطة وكقاعدة عسكرية، ولكن بصورة أساسية من أجل منع أية قوة أخرى من السيطرة على النقطة الاستراتيجية الحيوية�.

(الفصل الثالث من الحكاية)
*فكرة فصل البحر الاحمر عن المحيط عند نقطة باب المندب التي لا يتجاوز عرض المضيق 29 كلم وعندها يترك البحر الاحمر لمدة 300 سنة لكي يتقلّص حجم البحر نتيجة  التبخّر  بشكل كبير ثم يتم فتح فجوات  التوربينات لتدفّق المياه من خلالهم وبالتالي توليد 50 غيغاواط من الطاقة الكهربائية أي ما يعادل مرتين الطاقة الصادرة عن سد الصين العظيم. بالطبع الكثير من النقد يتمحور حول الحياة البحرية التي قد تتضرّر بشكل كبير كنتيجة لهكذا فكرة. و الأهم من ذلك هي المخاطر والصعوبات الهندسية التي قد تواجه هكذا مشروع يجمع البعض على أنه ضرب من الخيال. تفكير المستحيل وغير المعقول .
"يرى عبدالقوي مكاوي" أن احتلال بريطانيا لعدن وتوسيع قاعدتها العسكرية فيها وإمتداد نفوذها نحو مناطق الجنوب العربي، يهدف إلى جعل عدن والمنطقة قاعدة حربية ضخمة في شرق السويس كجزء من الاستراتيجية العسكرية العالمية، بشكل أدق كجزء من استراتيجية حلف شمال الأطلسي. أما بريطانيا فقد جعلت من عدن قاعدة لقيادة قواتها البرية والبحرية والجوية لكل منطقة الشرق الاوسط بعد خروجها من قنال السويس في تاريخ 13 يونيو 1956م.
في عام 1962م عندما زار جون بروفيمو وزير الدفاع البريطاني عدن، سئل في مؤتمر صحفي إذا كانت عدن قد أصبحت قاعدة ذرية فقال: �إن عدن الآن مستعدة للدفاع ضد أي هجوم ذري عليها.�.
ويوضح عبدالقوي مكاوي وجهة نظره حول هذا الجانب قائلاً: �وهذا يعد اعترافاً ضمنياً بأن عدن كانت - طبقا لتصريحات المسؤول البريطاني- إحدى القواعد الذرية البريطانية.
وفي نفس العام أشارت الصحف البريطانية إلى أن عدن تعتبر إحدى المحطات الاربع العالمية لتخزين القنابل الذرية والهيدروجينية البريطانية.
والكتاب الابيض الذي في عام 1962م لا يكتم سراً حول هذا الموضوع.

#وبعد جلاء القوات البريطانية عن قاعدة السويس، وبعد معارضة الزعيم الافريقي جومو كينياتا في إقامة قاعدة عسكرية كبيرة في مومباسا، قررت الحكومة البريطانية أن توزع قواتها المسلحة على ثلاث مناطق استراتيجية:

-1 اوروبا (في انجلترا وفي المانيا الغربية).

-2 سنغافورة.

-3 عدن.

وأهمية عدن تأتي من كونها في مركز وسط بين الكويت من جهة وبين اتحاد افريقيا الوسطى حيث تقوم المشكلة الاستعمارية الكبرى للمملكة المتحدة. وعندما جلا الانجليز عن مصر وعن العراق، حولوا القسم الاعظم من معداتهم ومن رجالهم إلى قبرص وإلى عدن، وقد تحولت في السنوات الأخيرة من مجرد قاعدة بحرية إلى قاعدة استراتيجية فيها مستودعات للقنابل الذرية والهيدروجينية. وانتقلت من مستوى مركز للقوات البحرية البريطانية عام 1955م، إلى مرتبة قيادة عليا بشبه الجزيرة العربية عام -1957 1958م، تغطي منطقة كبرى تمتد من ليبيا إلى الهند ومن بحر كامسبير إلى مدغشقر. ثم أصبحت مركز القيادة البريطانية في الشرق الأوسط. وقد أسهمت مركزية القيادة بهذا الشكل في الاقتصاد في الرجال وفي المسافات.

#لهذه الاسباب جميعها كانت عدن ذات أهمية خاصة، لأنها تؤمن لبريطانيا وجودها لا على الشواطئ العربية فقط، بل وجودها في الشرق الأوسط وفي شرق افريقيا ايضاً. وكذلك تحتفظ بامكانية إرسال حملات عسكرية حيث تكون المصالح الغربية مهددة. كما حصل في الكويت عالم 1961م، وفي كينيا وطنجنيقا وأوغندا عام 1964م.

يضاف إلى ذلك أن عدن تمثل بالنسبة للإنجليز الموقع الافضل، لأنهم يستخدمونها لاغراض ثلاثة:

-1 أن قافلات البترول التي تحمل العلم البريطاني أو تلك التي تنقل في خزاناتها البترول- الاسترليني، تؤمن بواسطة عدن الصلة بين آبار الخليج العربي وبين المصافي الأوروبية. فبواسطة عدن تضع انجلترا يدها على حركة المواصلات الآتية من آسيا وتستطيع أن تكشف السويس.

-2 أن جزءاً من منشآت مصافي عبدان قد نقلها شركة النفط البريطانية إلى عدن.

-3 إلى جانب كونها مركزاً للتموين وكونها وحدة للانتاج، تشكل عدن مركزاً للنفوذ والسيادة على الاراضي الغنية بالبترول التي تحيط بالقاعدة على امتداد قرن شبه الجزيرة البحري.. فهي قلعة تماماً�.

راجع كتاب: اليمن الجنوبي إلى أين؟، عبدالقوي مكاوي، الناشر دار صوت العروبة اللبنانية صادر عام 1987م.

*جميع الحقوق محفوظة .