الصـــحافــة الــيوم

الخميس - 24 ديسمبر 2015 - الساعة 01:06 م

جنيف / ماجد محمد / الاقتصادية

راؤول فيل اتهم بمساعدة 17 ألف أمريكي على إخفاء 20 مليار دولار

ليس كل يوم، ولا حتى في كل عقد، أن يكتب مصرفي كبير مذكراته عن اتهامه بالتواطؤ في عمليات غسل أموال ضخمة، وعن ظروف سجنه في إيطاليا، وفرض الإقامة الجبرية عليه في الولايات المتحدة قبل إطلاق سراحه بعد تبرئته.

لكن هذا ما فعله راؤول فيل، المصرفي السويسري السابق، المسؤول الأول عن إدارة الثروات في العالم، والرجل رقم 3 في أكبر المصارف السويسرية، "يو بي إس" بكتابة مذكراته بعد انتهاء محاكمته في الولايات المتحدة بتهمة التواطؤ في التهرب من دفع الضرائب.

ويرسم كتاب �قضية فيل .. كيف أصبحت حياتي كابوسا أمام دفء العدالة الأمريكية�، الذي يستند في أساسه إلى ملاحظات وتعليقات الكاتب على مقتطفات اقتبسها من محاكمته، خلفية متينة عن أزمة التهرب الضريبي بين سويسرا والولايات المتحدة.

ويظهر فيل، الذي اتهم بمساعدة 17 ألف أمريكي بإخفاء نحو 20 مليار دولار عن الضرائب بين عامي 2002 و2007 ذاته في إطار محترم جدا، ويقدم نفسه على أنه ليس أكثر من �كبش فداء� في عملية معقدة سماها �مطاردة المحتالين� على غرار عمليات مطاردة السحرة التي شهدتها أوروبا بعد عصر النهضة وما شهدته من أعمال تعسفية.

وأكد فيل في مذكراته كما طوال محاكمته، أنه لا يعرف شيئا عن المخالفات المتعلقة بغسل الأموال، وأنه كان ضحية لأعمال احتيالية قام بها موظفون في مصرف، "يو بي إس"، ويشير إلى أن الممارسات القديمة للمصرف فيما وراء الأطلسي (أي أعمال المساعدة على غسل الأموال وإخفاء الأموال الهاربة من الضرائب) لم تكن تدار من قبل الإدارة العليا في المقر الرئيسي للمصرف في زيورخ، ولا في الفرع المهم الذي كان يديره في نيويورك.

ووفقا له، فإن هذه الممارسات كانت من أعمال بعض �الخراف السوداء� المعزولة من بين أكثر من 63 ألف موظف ومتعاقد يعمل مع المصرف، وبشكل عابر، يلقي، فيل، نظرة قاسية جدا على العدالة السويسرية، وأيضا على زملائه في مصرف"يو بي إس".

وكتب يقول إن الطريقة التي اتبعها بعض هؤلاء بمن فيهم أولئك الذين أعتبرهم أصدقاء حميمين، �أن جعلوا مني ألبس القبعة� زعزعت ثقته العميقة في نسبة الصفات الخيرة التي يحملها الجنس البشري. وتبدأ المذكرات، التي تماثل قراءتها قراءة رواية بوليسية إلى حد كبير، بإلقاء القبض عليه في فندق فخم في مدينة بولونيا في شمال إيطاليا عام 2013، بعد هروب دام أكثر من عامين من الامتثال لمذكرة إلقاء قبض صادرة عن الشرطة الدولية، ويعقب ذلك 56 يوما من الاحتجاز في سجن إيطالي، ووصف لبعض الاشتباكات والمشاجرات المنتظمة التي جرت بينه وبين بعض نزلاء السجن.

وأضاف فيل في كتابه، كنت أشعر بأن ظروف السجن تضغط على بلعومي وتخنقني بشدة، ما جعلني أسعل طول الوقت ليس بسبب مرض، بل لأحاسيس ومشاعر بالاختناق، وفي ومضة سريعة، أبعدت عن نفسي فكرة الانتحار بواسطة شفرة وجدتها تحت الطاولة، ومرة أخرى أبعدت عن نفسي قطعة حادة مدببة وضعتها على رقبتي لثوان.

وإلى جانب حكايات أخرى حول حياته في السجن، وصف، راؤول فيل، معاناة نفسية كبيرة وحالات عدم يقين كانت تراوده حول مستقبله، ويشير إلى أن زوجته كانت تزوره بانتظام في السجن كما كانت تدير وتنظم من سويسرا الأوجه القانونية لوضعه.

ويشكل تسليمه إلى الولايات المتحدة، ثم عشرة أشهر قضاها رهن الإقامة الجبرية في منزله مع السوار الإلكتروني في قدمه لتحديد تحركاته، الجزء الأكثر سخونة في الكتاب، وفي وصفه الإعداد الدقيق للمحاكمة مع محاميه، قدم، فيل، منظورا قانونيا جديدا على هذه المسألة.

ويمثل شاهد الإثبات الرئيسي، مارتن ليتشتي، المحور المركزي في محاكمته والصفحات الحيوية في كتابه، فهذا الرئيس السابق في ميدان الاستثمار في الولايات المتحدة، قد وضع هو الآخر قيد الإقامة الجبرية عام 2008، وأجبر على التعاون مع المحكمة، وحصل على حريته مقابل تقديمه شهادة مفصلة ضد رئيسه السابق، راؤول فيل.

ويكشف، فيل، كيف أن محضر شهادة، مارتن ليتشتي، قد هبط فجأة عن طريق الخطأ في أيدي هيئة الدفاع عنه قبل افتتاح المحاكمة، وكان الخطأ يعادل نصرا حاسما على مراحل في قضيته، وقد شعر فيل بالاشمئزاز، بل الغثيان، عند قراءته وثائق المحضر. واكتشف فيل أثناء محاكمته، أن، مارتن ليتشتي، كان مدفوعا ضده بأسباب شخصية، وأن المحلفين ربما لاحظوا أيضا كراهيته تجاهي، وعلى مدى ثلاثة أسابيع من المحاكمة أمام محكمة في، فورت لودرديل، في ولاية فلوريدا، لم تظهر عناصر جديدة ضده أو تساعد في إدانته. ويشرح فيل في كتابه كيف أن هيئة المحلفين تفهمت حجج الدفاع التي قدمها محاموه، ولم تظهر "أي وثيقة" ثبت إدانته أمام هيئة المحلفين، وينقل في كتابه عن محاميه قوله: "لقد دمرت حياة هذا الرجل".

وحرص هذا المصرفي الكبير على التأكيد عبر مذكراته، أنه لا يسعى إلى تصفية حسابات شخصية مع من وقف أو شهد ضده، أو الأفراد المتورطين. ووفقا له، فإنه يسعى إلى تسليط الضوء على النقاط الخفية في القضية ليس بطريقة التبرير ولا الأعذار.