الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



كتابات وآراء


16 مارس, 2019 01:24:23 ص

كُتب بواسطة : غازي الشعيبي - ارشيف الكاتب


إن حق تقرير المصير يستند إلى مبدأ حق الشعب في ممارسة سيادته على إقليمه وحكم نفسه وأرضه, لافتقار ذلك الشعب إلى المساواة التامة في الحقوق والواجبات والإشراك في الحكم والإدارة, كما يتمتع ذات الشعب بكينونته وتمايزه اللغوي والثقافي والاجتماعي والعرقي المغاير عن السلطة الأجنبية التي يرزح تحت احتلالها أو سيطرتها, سواء أكانت استعماراً أم انتداباً أم دولة نتجت بترتيب استعماري, بمعنى أن الشعوب التي تناضل من أجل دفع الظلم والعدوان والاستبداد والتكبر يجب أن تحصل على حقها القانوني في تقرير مصيرها.

بحيث حرص القانون الدولي على مبدأ حق تقرير المصير ونطاقه, وجعله حق مشروع ومتاح لجميع الشعوب المضطهده, إذ نصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في المادة (2) من القرار رقم 1514 على أن: "لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد مركزها السياسي, وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

وفي هذا المعنى تعمق الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وذلك في نص المادة (19) منه على مبدأ مساواة الشعوب في الكرامة والحقوق وعدم تبرير سيطرة أي شعب على الآخر, فجاء فيها: "إن الشعوب كلها سواسية وتتمتع بنفس الكرامة ولها نفس الحقوق, وليس هناك ما يبرر سيطرة شعب على شعب آخر".

كما نصت المادة الأولى من القرار 1514 من الميثاق سابق الذكر على أن إنكار حق الشعوب في تقرير المصير هو إنكار لحق أساسي ولم تقل: لمبدأ من المبادئ, لذا فإن الحق في تقرير المصير يعد حقاً من حقوق الإنسان الأساسية التي لا يمكن الافتئات عليها: "إن إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكاراً لحقوق الإنسان, ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويعيق قضية السلم والتعاون العالميين".

وتجدر الإشارة إلى أن ميثاق الأطلسي الصادر في عام 1941م, يعد من المواثيق الأساسية لمبدأ حق تقرير المصير, كما أن حق تقرير المصير ورد في ميثاق الأمم المتحدة الصادر في العام 1945م, حيث جاء في الفصل الأول, المادة الأولى الفقرة رقم (2) ما يلى: " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها, وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام".

أيضاً ما جاء في الفصل التاسع والذى هو بعنوان التعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي, بحيث نصت المادة (55) من ميثاق منظمة الأمم المتحدة على أن :"رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها, وتعمل الأمم المتحدة على:
أ- تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب الاستخدام المتصل لكل فرد والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
ب-  تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وما يتصل بها, وتعزيز التعاون الدولي في أمور الثقافة والتعليم.
ج- أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين, ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً.

كما أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1952م  أن مبدأ حق تقرير المصير ملزماً لكل دولة عضواً فيها وعليها الإعراف به لأي شعب, بحيث نصت على: أن كل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة وجوب الالتزام بحق تقرير المصير لكل الشعوب والأمم. إضافة إلى ذلك فإن الإعلان الخاص بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1960م, فضلاً عن اللجنة الخاصة لتصفية الاستعمار. وفي عام 1962م, اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان المتعلق بحق الشعوب غير القابل للتصرف في السيادة على ثوراتها.

ووفقاً لما سبق بيانه فأن حق تقرير المصير يعتبر حق مكفول لكل الشعوب والمجموعات الانسانية بغض النظر عن العرق أو اللون أو الإنتماء أو الدين أو الثقافة, بحيث أصبح ممارسة هذا الحق واقعاً عملياً في كل الشعوب والمجتمعات وخاصة في الدول الغربية, إذ تلجا تلك الدول إلى إجراء استفتاء شعبي عام لتحقيق مطالب شعوبها في تقرير المصير والأستقلال, وقد مثلت الاستفتاءات الطريق الأمثل لذلك, وأصبحنا نشهد الكثير من الاستفتاءات في دول العالم حول الكثير من القضايا الأساسية والمصيرية, والتي كان آخر تلك الاستفتاءات استفتاء في بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي, والذي كان موضع أحترام وترحيب من الجميع داخلياً وخارجياً.

هذا الواقع الممارس في الدول الغربية والذي يعبر عن أسمى وأعلى مراتب الحرية والديمقراطية, يعتبره الكثير في العالم العربي وخاصة الأنظمة العربية الديكتاتورية نوع من التمرد والخيانة والجريمة والعصيان وترفضه وتحاربه ومستعدة أن تخوض الحروب من أجل وقفه ومنعه, وهذا يعود إلى ثقافة الإقصاء والإفناء ورفض الآخر التي تسود المجتمعات العربية أفراداً وشعوباً وحكام, وقد مثلت تجربة السودان نموذجاً لذلك فبعد أكثر من ثلاثين عام من الحرب بين حكومة السودان والجنوبيين المطالبين بحق تقرير المصير والاستقلال رضحت الحكومة السودانية لمطالبهم عبر استفتاء عام والذي منحهم حق تقرير المصير والاستقلال, وعلى صعيد آخر فقد واجهت مطالب الاكراد عبر السنين رفضاً شديداً من قبل الأنظمة العربية والحكومة العراقية في منحهم أبسط الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى أرتفعة مطالبهم إلى مطلب أساسي في حق تقرير مصيرهم واستقلالم عن الحكومة العراقية حتى نلوا الاستفتاء الشعبي.

وشعب الجنوب لا يقل شأناً عن جنوب السودان وكردستان العراق, لقد كان الشعب الجنوب دولة مستقلة ذات سيادة تسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية, ولكن بنوايا حسنه وطيبة دخل بوحدة إندماجية في عام 90مع الجمهورية العربية, إلا أن النوايا والمأرب الخبيثة والاطماع التي كان يكنها أبناء الجمهورية العربية لاخوانهم الجنوبيين أفشلت تلك الوحدة, بعد أن تعرض أبناء الجنوب الإقصاء والتهميش والقتل والنهب والسلب, حينها طالب الشعب الجنوبي بالمساواه في الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية مع أخوانهم في الشمال, إلا إنها قوبلت تلك المطالب بالرفض حتى تم شن حرب شرسة في صيف 94 على شعب الجنوب من قبل علي عبدالله صالح بفتوى تكفيرية حللت دماء أبناء الجنوب أفتى بها مشائخهم برئاسة الزنداني والديلمي, وحينها تم احتلال الجنوب وتم نهب وسلب كل ممتلكاته وثرواته, وبعدها تعرض أبناء الجنوب إلى الكثير الأقصاء والتهميش وسلب ونهب كل ثرواته وممتلكاته أكثر من سابقه من قبل نظام علي عبدالله صالح السلطوي.

ولكن بعد أن توافرت الظروف المناسبة لشعب الجنوب, وتضاعفة تلك المعاناة, خرج في 7/7 2007م بثورة تحررية للتعبير عن ذاتهم وإرادتهم وعملوا على توحيد جهودهم والأصرار والحفاظ على حريتهم وكرامتهم والتعبير عنها بمطلب أساسي وهو حق تقرير المصير وفك الإرتبط, وحينها تعرض إبناء الجنوب الثوار لكثير من القتل والأضطهاد والتهجير والأعتقال والتشريد, ومن ثم تم شن حرب أخرى على أبناء الجنوب في 2015م من قبل الحوثي وعفاش وأنتصر شعب الجنوب بمساندة دول التحالف وتم تأمين الجنوب وفرض هيبة القانون والدولة ومحاربة كل الظواهر الإرهابية التي كان تزرعها قوى الشمال في أرض الجنوب, وبالشراكة مع الشرعية المزعومه التي تزعم سيطرتها على المحافظات المحررة من فنادق الرياض, والتي أثبتت فشلها التاريخي في حكم البلاد وعززت الفساد والديكتاتورية الذي كان يتحلى به نظام صالح, خلال حكمها في السنوات الماضية.

وبعد كل تلك المعاناة والظلم والاضطهاد الذي تعرض له أبناء الجنوب ووفق المعطيات السابقة أليس من حق شعب الجنوب أن يقرر مصيره, عبر استفتاء شعبي جنوبي, أو عبر أي وسيلة أخرى من الوسائل الديمقراطية التي يقرها القانون الدولي, لينال دولته الحرة ومستقلة بحدودها السابقة أسوة بكل شعوب العالم.

إن حق تقرير المصير للشعب الجنوبي هو حق مقدس ومشروع, ويجب على الجتمع الدولي والإقليمي الوقوف إلى جانب الشعب الجنوبي ودعمه في هذا الحق, ليتوج بإقامة دولته الجنوبية الديمقراطية الحرة والمستقلة يعبر فيها الجنوبيين عن تطلعاتهم وتحقيق حقوقهم ومطالبهم العادلة والمشروعة وأستعادة كرامتهم وحريتهم, كما أن حق تقرير المصير للشعب الجنوبي يعتبر أنتصاراً لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية, وهو إنجاز لنضالات وتضحيات الشعب الجنوبي عبر سنوات طويلة من الكفاح والنضال من أجل أستعادة دولته الحرة والمستقلة بكامل سيادتها وحدودها السابقة.

غازي المزارع الشعيبي
كاتب وباحث في القانون الجنائي..