كتابات وآراء


28 يناير, 2020 02:52:30 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


لا يمكن لأي ناشط سياسي أو حتى مواطن عادي يتمتع بقدر من الفطرة السليمة والروح الإنسانية وحب الخير والميل إلى السلام إلا أن يتمنى أن تكون الاحداث العسكرية الأخيرة في مناطق نهم وما جاورها بين محافظات مأرب والجوف وصنعاء الشمالية بدايةً لنهاية الحرب الفظيعة التي أكلت الأخضر واليابس في بلد تضاءل أخضرُها ولم يتبقِّ من يابسها إلا الصخور والغبار، وكل من يتمنى نهاية هذه الحرب، لا يمكن إلا أن يتمنى انتصار الحق والعدل وقيم المواطنة والمدنية والقانون.
وبرغم أن الطرف الانقلابي قد برهن بأنه ليس أهلا لهذه القيم، فإن هذا لا يعني أن الطرف الآخر (الشرعية وحلفاؤها) قد تمكنوا أن يبرهنوا أيضاً على أهليتهم لها، وهو ما يضيق من مساحة انصارهم ويوسع مساحات المتشككين والمترددين إزاء نصرتهم، أما الشعب اليمني فكلا الطرفين يتحدث باسمه، ولا أحد منهما يعير أي اهتمام لمعاناته وآلام أبنائه وبناته.
من المؤسف أن إعلام الطرفين يتعامل ببغض شديد مع الحقيقة وكأنه لم يُخلَق إلا لإخفائها ووأدها، فكلاهما يزعم بأنه قد سحق الطرف الآخر وجعله على مقربة من رفع الراية البيضاء، وتأتي الأحداث على الأرض لتقول شيئا مختلفاً عما يدعيه الطرفان.
نحن سنستبعد هنا فرضية أن ما يجري هو مجرد مسرحية اتفق عليها الطرفان للهروب من التزامات واتفاقات سبق توقيعها بينهما أو مع أطراف أخرى (اتفاق ستوكهولم، واتفاق الرياض مثلاً) لكننا نعود للتأكيد مرةً أخرى أن ما نتمناه هو أن ينتصر مشروع الدولة على مشروع السلالة، والانتقال باتجاه حلحلة الملفات العالقة، وأشير هنا إلى أن الجنوبيين قد قدموا في سبيل هذا الهدف قوافل من الشهداء وأنهاراً من الدماء وما يزالون اليوم ومنذ هزيمة المشروع الانقلابي يواصلون دفع فواتير مواجهة هذا المشروع البغيض في العديد من الجبهات (ومنها جبهة الضالع مثلاً) في حين ما تزال قوات الشركاء (الشرعيين) تقتحم مواقعهم ومحافظاتهم في شبوة وأبين وتتهيأ للانقضاض على عدن التي تحررت بدماء وأرواح أبنائها الجنوبيين ولم تبذل (تلك القوات الشرعية) يوم تحريرها طلقة رصاص واحدة في سبيل ذلك الهدف العظيم.
نحن مع كسر مشروع السلالة ونصرة وتعزيز مشروع الدولة، لكن الأسئلة التي تؤرق المواطنين الجنوبيين هي: هل الدولة التي يتحدث عنها حلفاء الشرعية والمهيمنون على صناعة قرارها هي فعلاً دولة المواطنة والمؤسسة والقانون واحترام إرادة الشعب، أم دولة النخب القبلية والعسكرية والدينية والجهوية ومراكز القوى وجماعات المصالح الخفية (والمعلنة) ؟؟
ثم ماذا تفعل عشرات الألوية (الشرعية) (الشمالية) في وادي وصحراء حضرموت والمهرة وشبوة وهي تواصل رحلة الاستجمام والسبات الأبدي منذ ١٩٩٤م، في وقت يتعرض فيه أشقاؤها في جبهات الشرعية للتهديد وربما للهزمية (لا سمح الله) في نهم وصرواح ومفرق برط وسلسلة جبال هيلان؟
والسؤال الثالث هو ماذا سيقدم الشرعيون للجنوب والجنوبيين في حال صدقوا في هزيمة المشروع الحوثي هذه المرة؟ هل سيتعاملون مع مطالب الشعب الجنوبي بجدية واحترام أم أنهم سيتصالحون مع الحوثيين ليتشاركوا معهم الانقضاض على الجنوب وتطلعات شعبه واماني أجياله، كما في كل مرة؟
وأخيرا ليكن الانتصار الذي يتمناه الجميع انتصاراً للحق والعدل والحرية واحتراماً لأرادة الشعبين في الشمال والجنوب، لا بدايةً لحربٍ جديدة بين شعبين شقيقين لا علاقة لهما بصراعات وألاعيب ومصالح أمراء الحروب والمستثمرين فيها.