آخر تحديث :الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 12:58 ص

اخبار وتقارير

قراءة سياسية وحقوقية متأنية في مؤتمر جنيف المنعقد يوم 29 أكتوبر 2026
ميثاق الشرف القبلي اليمني في جنيف.. هل يوقف نزيف الدم أم يكتفي بتوثيق النوايا؟

الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - 12:29 ص بتوقيت عدن

ميثاق الشرف القبلي اليمني في جنيف.. هل يوقف نزيف الدم أم يكتفي بتوثيق النوايا؟

علي سيقلي

أرى أن هذا المؤتمر يستحق القراءة من زاويتين مختلفتين: زاوية المبادرة الإنسانية التي تسعى إلى حماية اليمنيين من تداعيات الحرب، وزاوية الجدوى السياسية والعملية لمؤتمر يجمع شخصيات قبلية من مختلف المناطق اليمنية، بينما لا تزال الحرب والانقسامات السياسية والعسكرية قائمة.


والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن نبدأ منه هو: هل انعقد المؤتمر من أجل وضع حد للحرب اليمنية، أم من أجل الحد من آثارها الإنسانية والاجتماعية؟


هذا ليس فرقاً في التعبير، بل فرق جوهري في تقييم النتائج.


أولاً: ما حقيقة مؤتمر جنيف، ومن يقف وراءه؟


انعقدت فعالية إطلاق ميثاق الشرف القبلي اليمني يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 في قصر الأمم بمدينة جنيف السويسرية، بمشاركة نحو 100 شخصية من زعماء ومشايخ القبائل والقيادات المجتمعية اليمنية، وشخصيات عليها ألف علامة استفهام.


وقد نظمت المبادرة من خلال مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF)، بدعم من سويسرا وهولندا، وبمشاركة مسؤولين سويسريين وأمميين.


واللافت أن الميثاق لم يُعدّ في أيام أو أسابيع، بل جاء ثمرة عامين من المشاورات والحوار بين شخصيات قبلية من مناطق يمنية مختلفة.


وتقول وزارة الخارجية السويسرية إن قرابة خمسة آلاف من الوجهاء اليمنيين تعهدوا بدعم الميثاق حتى موعد إطلاقه.

هذه نقطة مهمة. لأنها تعني أن المبادرة ليست مجرد لقاء عابر، وإنما مشروع مجتمعي جرى الإعداد له على مدى زمني طويل.


لكن طول فترة الإعداد واتساع دائرة المؤيدين لا يعنيان بالضرورة أن الميثاق أصبح قادراً على إيقاف الحرب.


ثانياً: ما الأهداف الحقيقية للميثاق؟


من خلال مراجعة التصريحات الرسمية والتقارير المنشورة، يمكن تحديد الأهداف المعلنة في ستة محاور:


1\. حماية المدنيين: منع الاعتداء على المواطنين غير المشاركين في القتال، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن.


2\. تحييد المنشآت المدنية: حماية المستشفيات والأسواق والمدارس ودور العبادة والمرافق العامة من الاستهداف العسكري.


3\. احترام الأسرى والجرحى: الالتزام بالمعاملة الإنسانية للأسرى، واحترام جثامين القتلى، وتسهيل إجلاء المصابين وتقديم العلاج لهم.


4\. تسهيل المساعدات الإنسانية: عدم عرقلة وصول الغذاء والدواء والإغاثة إلى المناطق المتضررة والمحاصرة.


5\. تفعيل الوساطات القبلية: الاستفادة من مكانة المشايخ والوجهاء في حل النزاعات المحلية، ومنع تحول الخلافات الاجتماعية إلى مواجهات مسلحة.


6\. تعزيز المساءلة: وضع قواعد سلوك ومراقبة محلية تساعد على كشف الانتهاكات ومحاسبة المتسببين فيها.


هذه الأهداف إيجابية من الناحية الإنسانية والحقوقية، ولا يمكن التقليل من أهميتها، خصوصاً في بلد أنهكت الحرب نسيجه الاجتماعي.



ثالثاً: ماذا حقق المؤتمر من مخرجات عملية لإنهاء الاقتتال في اليمن؟


هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية، وهي التي تحتاج إلى قدر كبير من الموضوعية.


ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:


* ما أعلنه المؤتمر من أهداف.


* ما اتفق عليه المشاركون من مبادئ والتزامات.


* ما تحقق فعلياً على الأرض.


المؤتمر حقق حتى الآن مخرجاً إعلانياً ومجتمعياً، لكنه لم يثبت تحقيق اختراق عملي في مسار إنهاء الحرب اليمنية.


ويمكن تلخيص ما تحقق في الآتي:


1\. إشهار وثيقة مرجعية مشتركة


تم تقديم ميثاق الشرف بوصفه مرجعية أخلاقية واجتماعية مشتركة للقبائل اليمنية، تتجاوز الانتماءات المناطقية والسياسية.


2\. جمع شخصيات من مناطق يمنية مختلفة


يمثل اجتماع شخصيات قبلية من أطراف ومناطق مختلفة فرصة للحوار وإعادة بناء قنوات التواصل، وهذه نقطة إيجابية في بلد يعاني من الانقسام.


3\. إحياء دور الوساطة القبلية


القبيلة اليمنية تمتلك تاريخاً طويلاً في حل النزاعات، وتبادل الأسرى، وفتح الطرق، وتأمين مرور القوافل والمساعدات. وقد أشارت المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في جنيف إلى هذه الأدوار في كلمتها الرسمية.


4\. اقتراح آليات متابعة محلية


تتضمن المقترحات المتداولة نشر الميثاق، وتشكيل لجان استشارية وفرعية، وتلقي الشكاوى، ومراقبة الانتهاكات، وتعزيز الوساطات المجتمعية.


لكن يجب التنبيه إلى أن الإعلان عن هذه المقترحات لا يثبت أن تلك اللجان تشكلت بالفعل أو بدأت ممارسة اختصاصاتها.


وماذا عن إنهاء الحرب؟


حتى المعلومات المتاحة عن المؤتمر لا تثبت أنه أفضى إلى:


* اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.


* اتفاق ملزم بوقف التجنيد والتحشيد العسكري.


* آلية لإلزام الأطراف المسلحة بسحب قواتها من مناطق التماس.


* اتفاق سياسي بين القوى المتصارعة على مستقبل الدولة.


* جدول زمني محدد لإنهاء الحرب.


* تشكيل لجنة مستقلة ذات صلاحيات فعلية لمراقبة تنفيذ الميثاق ومحاسبة المخالفين.


وهنا تكمن الفجوة بين النوايا المعلنة والنتائج المطلوبة.


رابعاً: لماذا سويسرا؟ ولماذا في هذا التوقيت؟


اختيار جنيف ليس أمراً عشوائياً بالضرورة.


فجنيف مدينة ذات ثقل دبلوماسي وحقوقي دولي، وتحتضن مؤسسات أممية ومنظمات متخصصة في السلام والأمن وحقوق الإنسان.


كما أن اختيار مركز DCAF لتنظيم المبادرة يتصل بطبيعة عمله في حوكمة قطاع الأمن، وتعزيز سيادة القانون.


وسويسرا تدعم أنشطة المركز المتعلقة باليمن منذ عام 2022، في إطار جهود بناء السلام وتعزيز القانون الدولي الإنساني.


لكن هناك نقطة ينبغي توضيحها: انعقاد الفعالية داخل قصر الأمم المتحدة لا يعني أنها مؤتمر رسمي تابع للأمم المتحدة، ولا يعني أن المنظمة الدولية تبنت الميثاق أو أصبحت مسؤولة عن تنفيذه. وقد أوضحت المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في جنيف ذلك صراحة في كلمتها.


أما التوقيت، فيمكن قراءته من زاويتين:


* محاولة الاستفادة من الشخصيات القبلية لإيجاد مساحات إنسانية واجتماعية تخفف من حدة الصراع.


* إيجاد قنوات حوار يمنية خارج الأطر السياسية التقليدية، بما قد يفتح المجال أمام مبادرات سلام أوسع مستقبلاً.


لكن لا توجد أدلة كافية للجزم بأن المؤتمر يحمل مشروعاً سياسياً خفياً أو أنه يخدم طرفاً بعينه.


خامساً: إشكالية التمثيل.. من فوّض هؤلاء للحديث باسم القبائل اليمنية؟


هذه من أهم النقاط التي تستحق النقاش.


عندما يقال إن المؤتمر جمع ممثلين عن القبائل اليمنية من مختلف المناطق، فمن حق المواطن اليمني أن يسأل:


* ما المعايير التي اعتمدت لاختيار المشاركين؟


* هل يمثل كل مشارك قبيلته بتفويض اجتماعي معروف؟


* هل توجد مرجعيات قبلية حقيقية وافقت على الميثاق؟


* هل شمل التمثيل مختلف المحافظات والمكونات الاجتماعية والسياسية؟


* هل هناك تمثيل متوازن للجنوب والشمال والشرق والغرب؟


فالحضور في مؤتمر دولي لا يمنح الشخص تلقائياً صفة تمثيلية عن قبيلته أو منطقته.


وقد أثارت تقارير إعلامية يمنية بالفعل تساؤلات بشأن معايير الاختيار، وطبيعة المشاركين، ومدى امتلاكهم تفويضاً من مرجعياتهم القبلية.


وأرى أن نشر قائمة المشاركين وصفاتهم والجهات التي رشحتهم، وتوضيح آلية إعداد الميثاق، من شأنه تعزيز الثقة بالمبادرة وإزالة كثير من علامات الاستفهام.


سادساً: ما الذي كان ينبغي أن يخرج به المؤتمر لإنهاء الاقتتال؟


إذا كان الهدف يتجاوز حماية المدنيين إلى المساهمة الجادة في إنهاء الحرب، فكان ينبغي أن تتضمن المخرجات برنامجاً تنفيذياً واضحاً، لا أن تتوقف عند إعلان المبادئ.


أضع هنا سبعة مقترحات أراها ضرورية:


1\. تشكيل هيئة قبلية وطنية مستقلة


تضم شخصيات قبلية ذات ثقل اجتماعي حقيقي من مختلف المحافظات اليمنية، مع تمثيل متوازن للجنوب والشمال.


2\. إنشاء لجان وساطة ميدانية


تعمل داخل المحافظات ومناطق التماس، وتكون مهمتها التدخل المباشر لوقف النزاعات المحلية ومنع التصعيد.


3\. التزام واضح بمنع تجنيد الأطفال والشباب قسراً


والعمل على وقف استغلال القبائل في رفد الجبهات بالمقاتلين، وتحويل أبنائها إلى وقود لصراعات القوى السياسية والعسكرية.


4\. تحييد المؤسسات المدنية


بضمانات عملية تمنع استخدام المستشفيات والمدارس والمرافق العامة والمنشآت الحيوية في الأعمال العسكرية.


5\. إنشاء آلية مستقلة للرصد والمساءلة


تتلقى البلاغات والشكاوى، وتوثق الانتهاكات، وتعلن تقارير دورية عن الجهات الملتزمة والمخالفة.


6\. إطلاق مبادرة وطنية لتبادل الأسرى وفتح الطرق


بالتنسيق مع الأطراف المعنية والجهات الإنسانية، بعيداً عن المساومات السياسية.


7\. الانتقال من المصالحة الاجتماعية إلى المصالحة السياسية


من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني يضم القوى السياسية والمكونات الجنوبية والشمالية، لمناقشة جذور الصراع ومستقبل التسوية السياسية، مع احترام حق الشعوب في تقرير مستقبلها.


سابعاً: التقييم السياسي والحقوقي للمؤتمر


أعتقد أن المؤتمر يطرح فكرة تستحق الاحترام، لكنه يواجه مشكلة جوهرية: اليمن لا يعاني من نقص في مواثيق الشرف والمبادئ الأخلاقية بقدر ما يعاني من غياب الإرادة السياسية والالتزام العملي بها.


فالقبيلة اليمنية تعرف معنى الجوار، وحرمة الدم، وحماية المستجير، وصون العرض والمال، ولديها أعراف راسخة في فض النزاعات.


لكن السؤال: لماذا لم تتحول هذه القيم إلى قوة ضاغطة على الأطراف المتحاربة؟


وهل يستطيع شيخ قبيلة أن يوقع على ميثاق يمنع سفك الدماء، ثم يعود إلى منطقته ليجد أبناء قبيلته مجندين في جبهات القتال تحت رايات سياسية وعسكرية متناقضة؟


وهل يستطيع الميثاق حماية المدنيين إذا لم تكن هناك سلطة رقابية مستقلة تملك القدرة على توثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها؟


هنا ينبغي أن نكون واضحين: لا يجوز أن تتحول القبيلة إلى دولة بديلة، ولا أن يصبح الميثاق غطاءً يمنح أي طرف مسلح شرعية اجتماعية لا يستحقها.


الدولة ومؤسساتها القانونية هي المرجعية النهائية لحماية الحقوق، والقبيلة يمكن أن تكون شريكاً مهماً في إحلال السلام، لا بديلاً عن مؤسسات الدولة.


ثامناً: الخلاصة.. هل يقترب اليمن من السلام عبر ميثاق قبلي في جنيف؟


أمامنا حقيقتان لا ينبغي الخلط بينهما:


الأولى: أن جمع شخصيات يمنية من خلفيات ومناطق مختلفة في مكان واحد، والاتفاق على حماية المدنيين وحقن الدماء، يمثل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها.


الثانية: أن هذه الخطوة لا تعني أن الحرب اقتربت من نهايتها، ولا أن الأطراف المسلحة أصبحت ملزمة بوقف القتال.


فالسلام لا يتحقق بتوقيع المشايخ وحدهم، مهما كانت مكانتهم الاجتماعية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية، واتفاقات واضحة، وضمانات دولية، وآليات تنفيذ ومساءلة.


والأهم من ذلك كله، أن ميثاق الشرف ينبغي أن يكون موجهاً إلى من يمتلكون قرار الحرب والسلم، وليس إلى المواطنين الذين يدفعون ثمنها.


تاسعاً: أسئلة مشروعة ينبغي أن يجيب عنها منظمو المؤتمر


أضع هذه الأسئلة أمام القائمين على المبادرة، بعيداً عن التشكيك في النوايا أو الانتقاص من جهود المشاركين:


* ما الخطوات التنفيذية التي بدأت بعد إشهار الميثاق؟


* من هي الجهة المخولة بمراقبة التزام الأطراف ببنوده؟


* هل توجد ضمانات لمنع تجنيد أبناء القبائل في الحروب؟


* هل سيتحول الميثاق إلى مبادرة ضغط على القيادات العسكرية والسياسية لوقف القتال؟


* كيف سيضمن المؤتمر تمثيل الجنوب اليمني بمختلف مكوناته السياسية والاجتماعية، وعدم اختزال قضيته في إطار قبلي عام؟


* هل ستُنشر تقارير دورية توضح ما تحقق من الميثاق، وما أخفق القائمون عليه في تنفيذه؟


هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على السلام، وإنما مطالبة بأن يكون السلام مشروعاً قابلاً للقياس، لا مجرد عنوان جميل في قاعة دولية.


تقديري النهائي: مؤتمر جنيف يستحق أن يُمنح فرصة، لكن لا ينبغي منحه شهادة نجاح مسبقة. معيار النجاح ليس عدد الحاضرين، ولا عدد الموقعين، ولا المكان الذي احتضن الفعالية، وإنما عدد الأرواح التي ستُحمى، والطرق التي ستُفتح، والأسرى الذين سيعودون إلى أسرهم، والجبهات التي سيتوقف فيها إطلاق النار.


فالسلام الذي لا يصل إلى الأرض يظل حبيس الأوراق، والمواثيق التي لا تتحول إلى إجراءات ملزمة تبقى مجرد وعود مؤجلة. فاليمنيون لم يعودوا بحاجة إلى مزيد من المؤتمرات والخطابات بقدر حاجتهم إلى إرادة صادقة توقف نزيف الدم، وتنهي دوامة الاقتتال، وتعيد للإنسان اليمني حقه في الحياة والأمن والكرامة.


فليكن ميثاق جنيف بداية فعلية لإنهاء الحرب، لا وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف المبادرات التي سبقتها، دون أن تغيّر شيئاً في واقع اليمنيين. فالعبرة ليست بما يوقعه المجتمعون تحت أضواء المؤتمرات، وإنما بما يلتزمون بتنفيذه عندما يعودون إلى أرض الواقع.